ليست كل التحولات السياسية تحررا، وليست كل هزيمة انتخابية لنظام قديم تعني نهاية نفوذه. فقد تنسحب السلطة من المكان بأحزابها ورموزها، لكنها تترك وراءها منطقها السياسي، ليواصل حياته بأسماء جديدة وألبسة مختلفة.
هذا ما يدعونا إلى التأمل في نتائج الانتخابات الأخيرة في النقب، حيث حققت القائمة العربية الموحدة تقدمًا لافتًا، بينما تراجع حضور الأحزاب الصهيونية التي اعتادت، على مدى عقود، الحصول على أصوات قطاعات واسعة من المجتمع البدوي، وفي مقدمتها حزب العمل وأسلافه.
يحتفل البعض بهذا التحول باعتباره نهاية للتبعية السياسية وبداية لاستقلال القرار العربي. لكن السؤال الأعمق ليس من غادر المشهد ومن احتل مكانه، بل: هل تغيرت العلاقة بين المواطن والسلطة، أم تغير فقط الوسيط الذي يقف بينهما؟
في الماضي، كانت عباءة الشيخ تؤدي وظيفة سياسية تتجاوز رمزيتها الاجتماعية. فالدولة التي امتلكت مفاتيح الأرض والمراعي والميزانيات والاعتراف بالقرى، وجدت في بعض مشايخ العشائر وسطاء يملكون النفوذ الاجتماعي والقدرة على توجيه أصوات الناخبين. وكانت المعادلة الضمنية بسيطة: «أعطونا مراعي لمواشينا، وخذوا أصواتنا».
هكذا تحولت المواطنة من علاقة حقوقية مباشرة بين الإنسان والدولة إلى علاقة وساطة، يصبح فيها الحق منحة، والشيخ بوابة الوصول إليها. ولم يعد السؤال ماذا يستحق المواطن، بل ماذا يستطيع الوسيط أن ينتزع له.
ومع ذلك، ثمة مفارقة تاريخية تستحق التأمل: رغم تلك العلاقة غير المتكافئة، لم يصبح التجنيد العسكري العام لأبناء المجتمع البدوي ثمنا سياسيا معلنا للحصول على الحقوق والميزانيات. وكأن للمساومة، رغم اختلال موازينها، حدودًا لا يجوز تجاوزها.

||كنس الأحزاب الصهيونية لا يبدأ حين تتغير العباءة إلى عمامة، بل حين تتغير العلاقة بين الإنسان والسلطة؛ وحين تصبح المواطنة حقا لا يحتاج إلى شيخ يمنحه، ولا إلى صاحب عمامة يتفاوض عليه، ولا إلى خدمة تثبت استحقاقه||
اليوم، تراجعت العباءة السياسية وصعدت العمامة. لم يعد الشيخ وحده يتحدث باسم المجتمع، بل ظهر رجل الدين السياسي، مستندا إلى شرعية انتخابية وخطاب ديني وتنظيم حزبي حديث. تغيرت الأدوات واللغة، لكن هل تغيرت الفلسفة؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع تأييد منصور عباس للخدمة العسكرية أو الوطنية والمدنية في المجتمع العربي. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين مختلفين: الخدمة والولاء.
فالخدمة فعل مدني وأخلاقي ينبع من مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه، أما الولاء السياسي فهو تعبير عن علاقته بالدولة وسلطتها. فمن يساعد مريضا، أو يعلّم طفلا، أو يرعى مسنا، لا يقدم شهادة ولاء للدولة، بل يمارس مسؤوليته الإنسانية. ويمكن للمواطن أن يخدم مجتمعه، وفي الوقت نفسه يعارض سياسات الدولة ويطالب بتغييرها.
المشكلة إذن ليست في الخدمة المدنية بذاتها، ولا في التطوع لخدمة المجتمع، بل في احتمال تحويل الخدمة من ممارسة حرة إلى معيار سياسي للاندماج، أو جعلها شرطا ضمنيا للاعتراف بالمواطن شريكا متساويا.
فحين تصبح الخدمة اختبارا للولاء، تتحول المسؤولية الأخلاقية إلى أداة للضبط السياسي، وتصبح الحقوق مكافأة على السلوك بدل أن تكون استحقاقًا للمواطنة.
وهنا تبرز المفارقة: في الماضي، كان الشيخ يفاوض السلطة على المراعي والخدمات مقابل الأصوات، واليوم يطرح الزعيم السياسي الديني الاندماج والخدمة ضمن خطابه عن الشراكة. ورغم الاختلاف الجوهري بين التجربتين، يبقى السؤال مشروعا: هل تغيرت قواعد العلاقة، أم تغيرت فقط اللغة التي تدار بها؟
إن السلطة لا تحتاج دائما إلى الاحتفاظ بممثليها داخل المجتمع كي يستمر نفوذها. فقد تنسحب الأحزاب، بينما يبقى منطقها حاضرا في طريقة التفكير والتفاوض وتحديد ما يستحقه المواطن وما يطلب منه مقابله.
وهذا هو الفارق بين تغيير النخبة وتغيير البنية السياسية. فقد يتغير الشيخ إلى رجل دين، والولاء العشائري إلى انضباط حزبي، والوعود بالمراعي إلى وعود بالميزانيات، ويبقى المواطن في الموقع ذاته: ينتظر من يتوسط له لدى الدولة للحصول على حقوقه.
ولا يعني ذلك أن كل تفاوض سياسي تبعية، أو أن كل مشاركة في الحكم تنازل عن المبادئ. فالمشاركة السياسية وسيلة مشروعة لتحقيق المصالح العامة، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على تحويل الحقوق من موضوع للمساومة إلى التزام ثابت على الدولة.
فهل أصبح الاعتراف بالقرى حقا تفرضه العدالة التخطيطية؟ وهل باتت الأرض والسكن والتعليم والبنية التحتية حقوقا لا تحتاج إلى وساطة أو إثبات للولاء؟
إن أخطر أشكال الهيمنة ليس أن تفرض السلطة منطقها على المجتمع، بل أن يتبنى ممثلو المجتمع هذا المنطق وهم يعتقدون أنهم تحرروا منه.
ليست العباءة ولا العمامة في هذه المقارنة مجرد لباس، بل رمزان لنمطين من الوساطة السياسية. والسؤال ليس أيهما أحق بتمثيل الناس، بل لماذا تظل حقوق الناس بحاجة إلى وسيط أصلا.
ربما خرجت الأحزاب الصهيونية من النقب بأجسادها التنظيمية، لكن يبقى احتمال أن يكون شيء من منطقها السياسي قد وجد لنفسه لباسا جديدا.
فكنس الأحزاب الصهيونية لا يبدأ حين تتغير العباءة إلى عمامة، بل حين تتغير العلاقة بين الإنسان والسلطة؛ وحين تصبح المواطنة حقا لا يحتاج إلى شيخ يمنحه، ولا إلى صاحب عمامة يتفاوض عليه، ولا إلى خدمة تثبت استحقاقه.
🔹الكاتب مهندس معماري ومخطط مدن