كشفت تسريبات وإفادات لضباط بارزين في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) وسلاح الجو، نشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن تفاصيل دقيقة ومعقدة أحاطت بعملية اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله"، حسن نصرالله، في المقر المركزي للحزب تحت الأرض بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وتتقاطع هذه الروايات الإسرائيلية مع مشهد سياسي وعسكري معقد يشهده لبنان، عبّر عنه خليفته نعيم قاسم في الذكرى السنوية لاغتياله، مؤكداً استمرار نهج الحزب رغم الضربات القاصمة.

رقابة على مدار الساعة: من مواعيد النوم حتى الوجبات المفضلة

روى الرائد "ج"، الذي شغل منصب رئيس قسم الأهداف في الساحة اللبنانية بـ"أمان" إبان الضربة، أن المتابعة الاستخباراتية لنصرالله امتدت لنحو عقد كامل، لكنها تحولت في العامين الأخيرين إلى رصد لصيق وشامل لكافة تفاصيل حياته اليومية. وأوضح أن فريقاً مشتركاً ضم باحثين وضباطاً ومختصين من وحدتي النخبة التكنولوجية "8200" و"9900" تمكن من فك شفرة الروتين الحياتي لنصرالله: "عرفنا متى يخلد إلى النوم، وماذا يفضل أن يتناول من طعام، ومع من يتنقل بالتحديد".

من جانبه، أشار الرائد احتياط "ر"، ضابط العمليات في خلية الاغتيالات بسلاح الجو، إلى أن مكان نصرالله كان مكشوفاً للاستخبارات حتى قبل اندلاع معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023. وبيّن أن نصرالله تعامل في بدايات المواجهة بـ"ارتياح نسبي" لظنه أن الاهتمام الإسرائيلي محصور كلياً في قطاع غزة، متخذاً إجراءات أمنية معتادة دون أن يتصرف على أساس الانخراط في حرب شاملة بلا خطوط حمر.

صدمة "البيجر" وحسابات التقدير الخاطئ

شكلت تفجيرات أجهزة الاتصال اللاسلكية ("البيجر" وأجهزة اللاسلكي) زلزالاً ضرب منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله؛ إذ أدخلت الحزب في حالة ارتباك كاملة وفقدان للتوازن، ما دفعه للشروع في مراجعة فورية لكافة خطوط اتصاله وكوادره الميدانية.

ومع ذلك، لم يغادر نصرالله المجمع السكني المحصن في حارة حريك، خلافاً لتوقعات الاستخبارات الإسرائيلية التي رجحت انتقاله فوراً لمخبأ بديل. ويعزو الرائد "ج" بقاءه إلى حالة "جمود وتحليل قاصر للموقف الميداني المتدحرج"، معتقداً أن تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال القيادات العسكرية لن تخرج عن سياق "تبادل الضربات"، ولم يقدّر أن تل أبيب قررت خوض الحرب للنهاية وتغيير قواعد الاشتباك كلياً.

السباق مع الزمن: ضغط العمليات ومبررات القصف الهائل

أكد الضابطان أن المتابعة اللصيقة في الساعات الأخيرة لم تشهد "أي نوافذ عمياء"؛ إذ كان موقعه مرصوداً دقيقة بدقيقة. وعند ورود مؤشرات ميدانية خشيت أجهزة التجسس أن تدفعه للانتقال وفقدان فرصة الاستهداف النادرة، ضغطت الاستخبارات بقوة على المستوى السياسي ورئيس الحكومة لإقرار الضربة فوراً دون أدنى تأخير.

وفيما يتعلق بإلقاء نحو 83 طناً من القنابل الثقيلة الخارقة للحصون، برر الرائد "ر" ذلك بالطبيعة المعقدة للتحصينات الضخمة تحت المباني السكنية، زاعماً أن الحسابات العسكرية هدفت لضمان تدمير الملاجئ العميقة. وزعم التقرير الإسرائيلي أن الضربة أسفرت عن مقتل 30 مدنياً، معتبراً أن الحصيلة جاءت أقل من التقديرات الأولية نتيجة نزوح عدد كبير من سكان المنطقة قبل تنفيذ الغارة.

قاسم في ذكرى الاغتيال: استمرار النهج ورفض التنازلات

في المقابل، وفي خطابات إحياء الذكرى الثانية لاغتيال نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين، شدد الأمين العام الحالي لحزب الله، نعيم قاسم، على أن هيكلية الحزب وبنيته الشعبية والتنظيمية "باقية ومستمرة".

وأكد قاسم "تمسك الحزب بمقاومة الاحتلال ومنع فرض وقائع جديدة أو إنشاء مستوطنات في جنوب لبنان"، رافضاً ما وصفه بمحاولات فرض "الاستسلام" عبر التفاوض المباشر. كما انتقد بشدة "أداء أطراف داخلية ورسمية في لبنان"، معتبراً أن "وقف العدوان والانسحاب من الأراضي اللبنانية لن يتحقق إلا عبر الصمود الميداني لا من خلال الرهان على الإملاءات الخارجية".