التوقيت والظرف ليسا هامشين في عالم السياسة؛ بل هما جوهرها ومحركها الأساسي. في السياسة، قد يحول التوقيت الكارثي الموقف العظيم إلى خطيئة، وقد يجعل الخطأ التكتيكي صواباً استراتيجياً إذا استُثمر في لحظته. في العلوم، الحقيقة مجردة لا تنتظر موازين القوى ولا تتأثر بتقلبات المناخ أو المزاج العام. فمعادلة (1+1=2) حقيقة ثابتة قبل قرن وبعد قرن، في الشتاء كما في الصيف. أما السياسة، فهي ساحة لا ترحم من يتعامل معها بذهنية المعادلات الرياضية الجامدة.
لو نادى أحدهم عام 1947 بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، لكان منفصلاً تماماً عن واقع تلك اللحظة. ولو خرج اليوم من يطالب بالعودة الحرفية لقرار التقسيم، لبدا كمن يغرد خارج حركة التاريخ، مهما كان منطقه سليماً. مأساتنا السياسية الكبرى تكمن هنا: الخلط الساذج بين صحة الفكرة وصحة توقيتها. ننتزع الحقيقة من سياقها المعقد، ونتعامل معها كمعادلة لا تقبل التفاوض، لنحولها دون أن ندري إلى خنجر يُغرس في ظهر المصلحة التي جئنا أساساً للدفاع عنها.
ليست كل معركة تُخاض الآن، وليست كل حقيقة تُقذف في وجه الجماهير في اللحظة ذاتها. أعدل القضايا قد تفقد عدالتها وتأثيرها إن اخترنا لها أسوأ توقيت ممكن. وقد اختصر محمود درويش هذه المعضلة في وصفه لحالة التشرذم بعبارته العبقرية: "يدعون لأندلس إن حوصرت حلب". من ينشغل بالبكاء على الأندلس بينما تُحاصر حلب، سينتهي به الأمر حتماً إلى خسارة الاثنتين معًا.
| «السؤال السياسي الأخطر ليس: من يملك الحق؟ بل: كيف نستخدم الحق لخدمة شعبنا، لا لخدمة خصومه؟»..
من هذا المنطلق العميق، أنظر إلى قضية جعفر فرح. أنا لست جهة تحقيق، ولا أملك مطرقة القاضي. لا أعتبر كثرة الشكاوى إدانة قطعية، ولا أرى في مجرد إثارة القضية حكماً نهائياً. كل ادعاء يستوجب فحصاً دقيقاً ومسؤولاً، أياً كان طرفاه. لكن، هل يُطلب مني إغلاق عينيّ وإسكات عقلي أمام التساؤلات السياسية المشروعة؟
هناك سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: لماذا الآن؟ لماذا انفجرت هذه الحملة في هذا التوقيت الحرج بالذات، فور انتهاء الانتخابات الداخلية وقبيل المعركة الوطنية الكبرى؟ ألم يكن بالإمكان تأجيل هذا الاستحقاق لشهرين فقط، إن كانت الغاية هي المعالجة المسؤولة وليس تفخيخ اللحظة السياسية؟
وسط هذا الاستقطاب الحاد، أثبت جعفر فرح قراءته العميقة لمعنى التوقيت والظرف حين أعلن بشجاعة سحب ترشحه من الموقع الثاني في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. لقد أدرك بمسؤولية عالية أن تحويل قضيته إلى قنبلة سياسية سيخدم خصوم الجبهة والقائمة المشتركة ويشتت الجهود، فاختار الانسحاب لحماية البيت من التصدع. خطوته هذه تقطع الطريق على كل من يحاول استغلال الأزمة لضرب التمثيل السياسي في أضعف لحظاته، وتؤكد أن تجاوز المحنة بأقل قدر من الضرر للحزب والمشروع هو الأولوية المطلقة.
ومع ذلك، السؤال الذي كان يجب أن يُطرح، لماذا لم نمنح أنفسنا شهرين نوجه فيهما كل طاقاتنا لإسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير؟ شهران لمنع استمرار مشروع سياسي يهدد وجودنا، ويقود المنطقة نحو دمار شامل. لا أسأل هذا للتشويش على الشكاوى، بل تحذيراً من تدمير البيت الذي يأوينا جميعاً بحجة تنظيفه.
لا أحد يطالب بدفن شكوى أو هدر كرامة أحد. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين تأجيل معركة فرعية لتوقيت أنسب، وبين تفجير قضية حساسة في اللحظة الأشد خطورة. ليس كل من يرفع راية الحق يتقن الانتصار له؛ فأحياناً يصبح المدافع عن المبدأ عبئاً على المبدأ نفسه حين تعميه التفاصيل عن رؤية الصورة الكبرى.
نحن أمام انتخابات مصيرية، وأمام حكومة أثبتت أن أذاها يفوق كل خلافاتنا الداخلية مجتمعة. وفي هذه اللحظة، يتخذ البعض من هذه القضية ذخيرة في حرب فئوية ضيقة. وما يثير السخرية المريرة هو هبوط النصائح والمواعظ من أبراج بعض الأوساط اليهودية التي تدّعي "اليسار"، والتي أعادها الحنين سريعاً للحضن الصهيوني. فجأة، ومع أول أزمة، يقدمون لنا وصفاتهم السحرية: "اتركوا المشتركة، ادعموا يش عتيد، تخلوا عن برنامجكم". يتحدثون من جبل الأوليمبوس وكأنهم آلهة يوزعون صكوك الغفران.
مشكلتنا الحقيقية ليست مع هؤلاء، بل تبدأ حين نسمح لهم بتحديد أجندتنا وتوقيت معاركنا، وبتحويلنا إلى أدوات في ملعب يحددون هم خطوطه. نحن لسنا معصومين، وعلينا مواجهة عيوبنا بشجاعة، لكن دون أن نفقد بوصلتنا. فالخطر الذي تمثله هذه الحكومة هو التهديد الأكبر والأكثر إلحاحاً.
السؤال السياسي الأخطر اليوم ليس: من يملك الحق؟ بل: كيف نستخدم الحق لخدمة شعبنا، لا لخدمة خصومه؟
إذا كان ثمن الانتصار في معركتنا المصيرية هو تأجيل بعض معاركنا الداخلية، فهذا ليس جبناً ولا خيانة للمبادئ. لأننا إن خسرنا المعركة الكبرى، فلن يعزينا أبداً أن نقف فوق أنقاض بيتنا المهدّم لنصرخ في وجه بعضنا: "لقد كنتُ على حق".
✍🏼الكاتب هو ناشط حقوقي ونائب رئيس الجبهة