أسماء المتحدثين: رائد أبو القيعان | مبادر في مجال الطاقة البديلة؛ عز الدين توفيق الفريجات | طالب مدرسة أبو صلب - أبو تلول
يواصل آلاف الأطفال والطلاب في قرى النقب العربية-البدوية، وبينها قرى معترف بها وأخرى غير معترف بها، الدراسة في مؤسسات تربوية لا تزال غير موصولة بشبكة الكهرباء العامة، ما يضطرها إلى الاعتماد على مولدات الديزل لتوفير الكهرباء.
وفي ظل هذه الواقع، أطلقت جمعية "سيكوي-أُفق" للمساواة والشراكة، حملة عامة وعريضة تطالب باستبدال المولدات الملوِّثة والمرهقة للبيئة بأنظمة للطاقة الشمسية، كحل مؤقت وسريع إلى حين تنفيذ الحل الأساسي المتمثل بربط جميع المؤسسات التعليمية بشبكة الكهرباء بصورة دائمة.
وتقول الجمعية إنّ المشكلة لا تقتصر على انقطاع الكهرباء أو ضعف البنية التحتية، بل تمس بصورة مباشرة صحة الطلاب وسلامتهم وجودة البيئة التعليمية، إذ توضع المولدات في بعض الحالات بالقرب من الصفوف الدراسية، فتنتج ضجيجًا مستمرًا وتطلق انبعاثات ملوِّثة، فضلًا عن مخاطر مرتبطة بالوقود والكهرباء والحريق.
وبالتوازي مع الحملة الجماهيرية، قُدّم التماس قضائي ضد الوزارات الحكومية ذات الصلة، للمطالبة بوقف استخدام المولدات الكهربائية والعمل على ربط المؤسسات التعليمية بشبكة الكهرباء العامة.
وقدّمت الالتماسَ كلٌّ من جمعية "إنسان، طبيعة وحكم البيئة"، والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، ومركز "شمسنا"، إلى جانب أربعة رؤساء للجان أولياء أمور في القرى البدوية.

42 مؤسسة ونحو 8 آلاف طالب في واحة الصحراء
تعمل في نطاق المجلس الإقليمي واحة الصحراء نحو 42 مؤسسة تعليمية بالاعتماد على المولدات، ويبلغ عدد الطلاب فيها قرابة 8 آلاف طالب وطالبة.
وتشير الجمعية إلى أن نحو ثلث هذه المؤسسات موجود في قرى معترف بها وتعمل بترخيص وبتمويل من وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي يثير تساؤلات حول استمرار اعتمادها على المولدات رغم وجود مؤسسات تعليمية رسمية يفترض أن تتوفر لها بنية تحتية كهربائية آمنة ومستقرة.
وفي مجلس القيصوم الإقليمي، تشير المعطيات إلى وجود نحو 18 مولدًا في مؤسسات تعليمية، بينما تؤكد أن عدد المؤسسات التعليمية التي تعتمد على المولدات في النقب، في القرى المعترف بها وغير المعترف بها، يصل إلى عشرات المؤسسات.

ضجيج وتلوث ومخاطر صحية
وفق تقرير لوزارة حماية البيئة من عام 2023، تجاوز مستوى الضجيج الناتج عن مولد في مدرسة بئر هداج الحد المسموح به بنسبة 20%.
كما نقلت التقارير تقديرات لجمعية "آدم، طبيعة وحكم البيئة"، بالتعاون مع مركز "شمسنا" الذي ينهض بالطاقة الشمسية البديلة، بشأن الانبعاثات الناتجة عن أحد المولدات في مدرسة أبو صلب، والذي يستهلك نحو 25 ألف لتر من الديزل سنويًا. وتشير التقديرات إلى انبعاث كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت وثاني أكسيد الكربون والبنزين، وهي ملوثات قد تزيد مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي لدى الطلاب وأفراد الطواقم التعليمية.
وتؤكد د. جنان أبو شتية، مركزة مشروع تعزيز المساواة في النقب في جمعية "سيكوي-أُفق"، أن الطلاب يتعرضون بصورة يومية للضجيج والروائح والانبعاثات الصادرة عن هذه المولدات.
وتقول أبو شتية إن القضية لا تتعلق بعام دراسي واحد، بل بوضع مستمر منذ سنوات، مضيفة أن الطلاب "يتعرضون للخطر عدة ساعات يوميًا، وكل يوم".

المولدات مكلفة أيضًا
إلى جانب الأضرار البيئية والصحية، فإن الاعتماد على مولدات الديزل يفرض تكلفة اقتصادية مرتفعة على المؤسسات التعليمية.
وبحسب معطيات، تصل تكلفة تشغيل مولد كهربائي في بعض الحالات إلى نحو 430 ألف شيكل سنويًا، مقابل تكلفة أقل بكثير لاستهلاك الكهرباء في مدارس مرتبطة بشبكة الكهرباء العامة.
وترى الجهات الداعية إلى الانتقال للطاقة الشمسية أن الاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية والتخزين قد يخفف التكاليف على المدى البعيد، ويؤمّن في الوقت نفسه مصدرًا أكثر استقرارًا ونظافة للكهرباء.

"شمسنا".. نموذج قائم لاستبدال المولدات بالطاقة الشمسية
وفي خضم المطالبات باستبدال المولدات، يبرز مركز "شمسنا" كمبادرة تعمل في مجال الطاقة المتجددة والتعليم البيئي في المجتمع العربي-البدوي في النقب، وتطرح الطاقة الشمسية كبديل عملي للمولدات التي تعمل بالديزل.
وبحسب موقع المبادرة، تعمل "شمسنا" على توفير الكهرباء النظيفة للمؤسسات التعليمية غير المرتبطة بشبكة الكهرباء، من خلال تركيب أنظمة شمسية مستقلة مزودة بوسائل لتخزين الطاقة. وتعرض المبادرة مشاريع في مؤسسات تعليمية بالنقب، بينها ثانوية عتيد في الفُرعة، ومجمعا رياض أطفال في الغراء وأم بطين، حيث بات مئات الطلاب يستفيدون من كهرباء نظيفة وموثوقة بدل المولدات الملوِّثة.
كما تشير "شمسنا" إلى مشاريع لأنظمة شمسية مستقلة في مدارس بئر هداج ورخمة وأبو تلول، بهدف استبدال مولدات الديزل بأنظمة تعتمد على الطاقة الشمسية والتخزين.
وفي عام 2024، قامت المبادرة بتركيب نظامين للطاقة الشمسية في مجمعات رياض الأطفال في الغرا وأم بطين، بهدف توفير مصدر كهرباء نظيف وهادئ بدل المولدات، ليستفيد منها أكثر من 200 طفل وأفراد الطواقم التعليمية. إلا أن المشروع واجه لاحقًا إشكالية مرتبطة بالتراخيص، ما أدى إلى تفكيك الأنظمة ونقلها مؤقتًا إلى مشروع تربوي آخر، بحسب ما نقلته تقارير إعلامية عن الجمعية.
وتؤكد "شمسنا" في رؤيتها أن استبدال مولدات الديزل بأنظمة شمسية مستقلة في المدارس والمؤسسات العامة غير المرتبطة بالشبكة هو أحد مسارات عملها الأساسية، إلى جانب تطوير مشاريع الطاقة الشمسية في المجتمع البدوي.

عوائق لا تتعلق بالطاقة فقط
وترى "سيكوي-أُفق" أن حل المشكلة يتطلب معالجة عدد من العوائق التخطيطية والإدارية، من بينها غياب مخططات تنظيمية تسمح بإصدار تراخيص بناء في بعض المواقع، ونقص التمويل اللازم لإجراءات الترخيص، إضافة إلى نقص البنى التحتية وطرق الوصول التي تسمح بمد خطوط الكهرباء.
وتؤكد الجمعية أن مسؤولية معالجة هذه العقبات تقع على عدة جهات حكومية، من بينها وزارة التربية والتعليم، ومديرية التخطيط، ووزارتا الطاقة والصحة، إلى جانب السلطات المحلية.

"كل يوم تأخير يعني يومًا إضافيًا من الخطر"
وتطالب "سيكوي-أُفق" الحكومة بالتحرك بصورة عاجلة قبل بدء العام الدراسي المقبل، مؤكدة أن الحل النهائي يجب أن يكون ربط جميع المؤسسات التعليمية بشبكة الكهرباء العامة، فيما يمكن للطاقة الشمسية أن تشكل حلًا مرحليًا سريعًا وآمنًا إلى حين تحقيق ذلك.
وتقول د. أبو شتية إنّ توفير الكهرباء للمؤسسات التعليمية ليس امتيازًا أو ترفًا، وإنما واجب قانوني وأخلاقي، معتبرة أن استمرار الطلاب في الدراسة إلى جانب مولدات الديزل يعكس فجوة في مستوى البنية التحتية والخدمات المقدمة للطلاب في النقب.
وفي المقابل، تُظهر التجارب التي يقودها مركز "شمسنا" أن الانتقال من المولدات الملوِّثة إلى أنظمة الطاقة الشمسية المستقلة ليس مجرد مطلب نظري، بل حل بدأ تطبيقه فعليًا في عدد من المؤسسات التعليمية في النقب.
ويبقى التحدي، وفق الجهات المطالبة بالتغيير، هو توسيع هذه الحلول لتشمل عشرات المؤسسات وآلاف الطلاب الذين ما زالوا يدرسون يوميًا في بيئة تعتمد على مولدات الديزل، بدل توفير بنية تحتية كهربائية آمنة ومستقرة ومستدامة.