نتنياهو والأقزام السبعة

د. جمال زحالقة

٢١ مايو ٢٠٢٦

نتنياهو والأقزام السبعة

تتسارع في الآونة الأخيرة، التطوّرات بشأن انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث تُطرح مقترحات تبكير موعد الانتخابات، وتتحد أحزاب قائمة وتُقام أحزاب جديدة، وتسخن الحملات الانتخابية ويتكاثر النقاش حول الصدقية التنبؤية لاستطلاعات الرأي المختلفة، التي ترجّح أن يخسر معسكر نتنياهو اليميني المتطرف الانتخابات.

لقد بدأ الحديث بجدّية عن إمكانية تبكير موعد الانتخابات، بعد تصريحات الحاخام دوف لاندو الزعيم الروحي لحزب «ديجيل هتوراة» (أحد حزبي كتلة يهودوت هتوراة) الداعية إلى التصويت لصالح حل الكنيست، حيث قال: «لم يعد لدينا ثقة بنتنياهو. لا لم نعد نشعر بأننا شركاؤه، ولسنا ملزمين تجاهه.. المصطلح «معسكر مشترك» لم يعد قائما». واستنادا إلى قرارات المرجعيات الدينية للأحزاب الحريدية، أصبحت إمكانية تبكير الانتخابات واردة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الأحزاب الدينية في إسرائيل لصيقة بالليكود ومن المستبعد جدا أن تتحالف مع منافسيه.

نتنياهو من جهته لا يريد هذا التبكير ويسعى جاهدا للإبقاء على الموعد الرسمي ليوم الانتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل. وما تقديم مشروع قانون تبكير الانتخابات من قبل الائتلاف الحاكم سوى مناورة برلمانية تهدف إلى التحكّم بمسار تمرير القانون لتحديد موعد مريح للحكومة، وسد الطريق على محاولات المعارضة إجراء الانتخابات مطلع سبتمبر/أيلول المقبل. ما يريده نتنياهو هو المزيد من الوقت للوصول إلى إنجاز ما يكسبه دعما شعبيا ويمكّنه من الفوز في الانتخابات. قد يكون هذا الإنجاز سياسيا على شكل اتفاق أمريكي ـ إيراني لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب والإعلان رسميا عن القضاء على المشروع النووي الإيراني، الذي طالما لوّح نتنياهو بأنه الخطر الأكبر على إسرائيل منذ قامت. ومن الممكن أن يكون الإنجاز هو زيارة لترامب تخصص لدعم مباشر لنتنياهو من الرئيس الأمريكي، الذي يحظى بشعبية عالية في إسرائيل. في ولايته الأولى أنقذ ترامب نتنياهو من الخسارة، بعد أن أغدق عليه «هدايا انتخابية» وازنة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها والاعتراف بضم الجولان، وغيرها من العطايا الأمريكية من الجيب العربي. ويأمل نتنياهو في أن يحصل على المزيد هذه المرة، خاصة أن وضعه الانتخابي في غاية الصعوبة. ويبقى السؤال: ماذا بقي في الجيب العربي ليستله ترامب ويمنحه لنتنياهو؟

لم يعد ينفع نتنياهو مكاسب وإنجازات عادية، وهو بحاجة إلى حدث «مزلزل» يُكسبه الانتخابات، ولديه خطط في لبنان وغزة وإيران، وهو بانتظار المصادقة وحتى المشاركة الأمريكية لشن حرب واسعة جديدة. لكن ثبت في الأشهر الأخيرة، أن الجمهور الإسرائيلي لا يغيّر رأيه بسهولة، وبقيت الخريطة السياسية في الاستطلاعات بعد الحرب على إيران كما كانت قبلها، على الرغم من سلسلة الاغتيالات المدوية للقيادة الإيرانية. الخطير، أن نتنياهو يحس بالسكين السياسي على رقبته، وقد يقدم على مغامرة عسكرية جديدة، إما لكسب الانتخابات أو لتأجيلها تبعا لـ»ظروف الحرب». الأمر الحاسم في الانتخابات الإسرائيلية هو قوة معسكر نتنياهو مقابل المعسكر المناهض له. هذا هو الأمر المقرر هل سيبقى نتنياهو في الحكم أم يُخلع من منصبه؟ أما ما يُنشر في الاستطلاعات عن عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، أو عن نسبة شعبية المنافسين على رئاسة الوزراء، فهو مهم نسبيا، لكن ليس مؤشّرا إلى من سيكون رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم. ويتكوّن معسكر نتنياهو من حزب الليكود وجميع الأحزاب الدينية، وهو كتلة متماسكة ومنسجمة سياسيا إلى حد كبير، خاصة بعد الانزياح نحو المزيد من التطرّف لدى حزب الليكود، الذي لم يعد يختلف كثيرا عن حزب «الصهيونية الدينية» وعن سموتريتش وبن غفير.

🔹نتنياهو يحس بالسكين السياسي على رقبته، وقد يقدم على مغامرة عسكرية جديدة، إما لكسب الانتخابات أو لتأجيلها تبعا لـ»ظروف الحرب»🔹

ما زال حزب الليكود هو الحزب الأكبر في الاستطلاعات، لكنّه يخسر فيها عدة مقاعد عمّا عنده في الكنيست حاليا. ويسيطر نتنياهو على حزبه بشكل شبه كامل، حيث لا معارضة له ولا ينافسه أحد، وتتكوّن قيادة هذا الحزب من نتنياهو والأقزام السبعة. جميعهم يقبلون بنتنياهو رئيسا للحزب، طالما أراد ذلك، لكنّهم في صراع شديد في ما بينهم حول من سيكون الوريث؟ وتتخذ المنافسة شكل التدافع حول أيهم الأكثر تطرّفا وعنصرية وفاشية. والأقزام السبعة هم: يسرائيل كاتس وزير الأمن؛ ميري ريغيف وزيرة المواصلات؛ نير بركات وزير الاقتصاد؛ جدعون ساعار وزير الخارجية؛ يريف ليفين وزير القضاء؛ إيلي كوهين وزير الطاقة وآفي ديختر وزير الزراعة. جميع هؤلاء يمين متطرّف ولا يختلفون عن نتنياهو في شيء، ولا يتعدون كونهم نسخا باهتة عنه. وبما أن المقعد الأوّل في الليكود محسوم لنتنياهو، فإن المنافسة هي حول المقعد الثاني والمواقع المتقدمة بشكل عام، وهي تأتي في إطار الصراع حول قيادة الليكود في اليوم التالي لنتنياهو.

الأحزاب الدينية المتحالفة مع نتنياهو هي أربعة: حزب شاس التوراتي الشرقي، برئاسة أرييه درعي المقرّب من نتنياهو؛ حزب «يهودوت هتوراة» الحريدي، المكوّن من حزبي «علم التوراة ـ ديغيل هتوراة» و»جماعة إسرائيل ـ أغودات يسرائيل»؛ حزب «العظمة اليهودية ـ عوتسما يهوديت» برئاسة الفاشي إيتمار بن غفير وحزب «الصهيونية الدينية» برئاسة بتسلئيل سموتريتش. جميع هذه الأحزاب ملتزمة بدعم نتنياهو رئيسا للحكومة ومتمسّكة بمعسكره، حتى لو كانت لدى بعضها انتقادات هنا أو هناك، فلا بديل لها عمليا عن التحالف مع الليكود ونتنياهو.

هناك مشكلتان تواجهان نتنياهو في المعركة الانتخابية الحالية، الأولى أن حزب سموتريتش لا يعبر نسبة الحسم في معظم الاستطلاعات ما قد يضعف معسكر نتنياهو ويحرمه الفوز. وهنا يسعى نتنياهو، كما فعل سابقا، إلى وحدة بين بن غفير وسموتريش لضمان عدم تضييع الأصوات. بن غفير يرفض هذه الوحدة حاليا بادعاء أن خوضه الانتخابات منفردا تمنحه قوة تزيد عن عشرة مقاعد بينما يؤدي التحالف مع سموتريش إلى هروب مصوّتين إلى جهات أخرى. لكن من المؤكّد أن نتنياهو لن يسمح بسقوط حزب «الصهيونية الدينية»، حتى لو أدى به الأمر إلى تحصين مواقع له في قائمة الليكود الانتخابية. مشكلة نتنياهو الثانية هي كيفية استعادة الناخبين الذين هجروا معسكره، وتظهر الاستطلاعات انهم سيصوتون للمعسكر المنافس. حول هذه المسألة تحديدا يدير نتنياهو معركته الانتخابية عبر محاولة استمالتهم مجددا بدعاية انتخابية عنصرية وفاشية من جهة، وبالسعي لتحقيق إنجازات عسكرية وسياسية «مقنعة» لهذه الفئة من الناخبين الإسرائيليين تحديدا.

في موازاة ذلك هناك تحرّكات في اليمين الإسرائيلي لإقامة أحزاب يمينية جديدة لاصطياد أصوات هي يمينية الطابع، لكنها غاضبة على نتنياهو بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول ومشروع الانقلاب على القضاء. وفي هذا السياق جرى الحديث مؤخّرا عن إقامة حزب سمي مجازا «ليكود ب»، تشارك فيها شخصيات «ليكودية» مثل يولي أدلشتاين رئيس الكنيست السابق؛ وموشي كحلون وزير المالية السابق؛ وجلعاد أردان ممثل إسرائيل السابق في الأمم المتحدة. والمشترك بين هؤلاء الثلاثة أنهم جميعا ينتمون لفئة «ضحايا نتنياهو»، فقد كانوا في قيادة الليكود، وقام نتنياهو بتهميشهم ومحاصرة مكانتهم، وإذا استطاعوا فعلا أن يستقطبوا الفئة بأكملها فسيكون عندهم حزب له وزن مهم. لا دليل على أن هذه التحرك يجري بالتنسيق مع نتنياهو، لكنّه سيستفيد منه كثيرا إذا استطاع الحزب الجديد استعادة مئات آلاف الأصوات التي هجرت معسكر نتنياهو.

ودخل إلى الساحة السياسية اليمينية مؤخّرا عدد من المنافسين، الذين يسعون لاجتذاب شريحة مصوتي اليمين الذي خاب أملهم بنتنياهو. ومن هؤلاء ضابطي الاحتياط دافيد سيمحي وعوفر فينتر، وكلاهما يطرح خطّا يمينيا أمنيا متشددا، إضافة إليهما أعلن كل من موشي فيجلين ويرون زليخا عن ترشحهما، وكلاهما بعيدان عن نسبة الحسم، وإذا أصرا على الترشح بشكل مستقل فسيؤدي ذلك إلى خسارة مقاعد ثمينة لمعسكر نتنياهو.

إذا أخذنا الاتجاه العام للاستطلاعات بمسار خطي حتى يوم الانتخابات، فالأرجح أن نتنياهو خسران، لكن الأحداث المحلية والإقليمية قد تقلب الموازين، إذا استغلها نتنياهو ببراعته المعهودة في إدارة المعارك الانتخابية. وفي كل الأحوال حكومة نتنياهو هي أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرّفا، وأكثرها تورّطا في ارتكاب جرائم الحرب الفظيعة، التي وصلت إلى ارتكاب جريمة الجرائم: الإبادة الجماعية والتدمير الشامل. ومن المهم أن تسقط حكومة ارتكبت كل هذه الفظائع، لأن بقاءها سيشجع القيادة الإسرائيلية على اقتراف المزيد من الجرائم.

لقد استعرضت هنا بعض التحركات في معسكر نتنياهو، وهذا نصف المعادلة الانتخابية في إسرائيل، والنصف الآخر هو ما يحدث في المعسكر المعادي لنتنياهو وسوف استعرضه لاحقا.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp