جذورٌ في الرمال: ملحمة امرأة من القرى مسلوبة الاعتراف

كتبت: صفاء حسن | 29.4.2026

في تخوم الصحراء، حيث تمتد رمال النقب كصفحات تاريخٍ لم تُطوَ بعد، وُلدت حكايتها عام 1978. هناك، في بقعةٍ أسقطتها الخرائط الرسمية لكنها حفرت وجودها في وجدان أبنائها، تشكّلت ملامح طفولتها الأولى. كانت الأرض كتابها الأول، والسماء سقف أحلامها، والعائلة مدرستها التي غرست فيها أسمى قيم الكرامة، والصبر، والانتماء.

لم تكن سنواتها الأولى عادية؛ ففي عام 1983، تفتحت عيناها الصغيرتان على مأساة التهجير، في حدثٍ فاق استيعاب طفولتها الغضة. انحفر المشهد في ذاكرتها كجرحٍ غائر، لكنه تحول بمرور الزمن إلى طاقةٍ كامنة تغذي إصرارها على التجذر في الأرض وحماية الهوية. كبرت وهي توقن أن الانتماء ليس مجرد جغرافيا، بل موقفٌ، وبقاءٌ، وصمود.

خطت نحو المدرسة بخطواتٍ خجولة سرعان ما استحالت إلى ثقة شابةٍ طموحة، لتنسج خيوط حياتها بين مقاعد الدراسة وقسوة البادية. كانت توازن ببراعة بين دفاترها وواجباتها المدرسية، وبين رعاية الإبل والأغنام والخيل. استلهمت من الصحراء جَلَدها، ومن رعاية الماشية رحمتها، ومن شظف العيش مهارة البقاء. لم يكن التعليم في عُرفها ترفًا، بل فعلَ مقاومةٍ هادئٍ وسلاحًا للوجود.

🔹 متشبثة بملامحها النقباوية

ومع اشتداد عودها ونضوجها، آثرت أن تكون امتدادًا أصيلًا لجذورها، لا منقطعةً عنها. توشحت بالثوب العربي البدوي و"الرّبطة"، لا كزيٍّ تقليدي عابر، بل كبيانِ هويةٍ ورايةِ انتماء. وفي زمنٍ عصفت فيه مغريات التمدن بالكثيرين، بقيت وفيّةً لروح المكان، متشبثة بملامحها النقباوية الأصيلة، لتقول بلسان حالها: "يمكننا أن نعانق التطور دون أن ننسلخ عن ذواتنا".

تزوجت في ريعان صباها، وظلت مرابطةً قرب أرضها الأولى، لتبدأ فصلًا جديدًا من حكاية الكفاح. لم تكن الأمومة لديها مجرد دورٍ عابر، بل رسالةً مقدسة. أنجبت ثمانية أبناء، ربتهم بعزيمةٍ لا تلين، وزرعت في أرواحهم حصاد سنينها من القيم والتجارب. كانت ينبوع حنانٍ في لحظات الضعف، وقائدةً حازمةً حين يشتد الموقف.

ولم تقف طموحاتها عند عتبة بيتها؛ بل واصلت مسيرتها المهنية والتعليمية لتغدو مربيةً ومعلمة، تنقل مشعل رسالتها إلى أجيالٍ متعاقبة. بين جدران صفوفها، لم تكن مجرد معلمة تلقن الدروس، بل أمًا ثانية، تمزج بحكمة بين اللين والانضباط، وبين الاحتواء والتوجيه. كانت ترى في عيون كل طالبٍ بذرةً لمستقبلٍ يستحق الأفضل.

وبموازاة ذلك، لم تتخلّ يومًا عن دورها كشريكة حياة؛ فكانت الزوجة السند، والمرأة العاملة التي تدير شؤون بيتها، وترعى مواشيها، وتساهم في إعالة أسرتها بكرامة. لم يتسلل الكلل إلى قلبها، فالعطاء في قاموسها ليس عبئًا، بل هو نبض الحياة.

تجاوز إشعاعها محيطها الضيق ليعمّ مجتمعها الأوسع، مشاركةً في ميادين العمل التربوي والاجتماعي، وممدّةً يد العون لكل محتاج. غدت خيطًا متينًا في نسيج مجتمعها، تتأثر به وتؤثر فيه، تحمل همومه على كاهلها، وتسعى جاهدةً للارتقاء بواقعه.

في شخصيتها الفذة، تتعانق الأزمنة: حكمة الماضي العريق بتحديات الحاضر المعقد. هي ابنة التاريخ، لكنها أيضًا صانعة الحاضر. جسّدت في مسيرتها تلاحم الجغرافيا مع الثقافة، وأصالة التقاليد مع جموح الطموح، لتشكل أيقونةً للمرأة التي تحيل المحن إلى منح، وتصنع من قسوة الظروف مدرجًا للنجاح.

ورغم افتقار قريتها أحيانًا للبيئة الحاضنة والداعمة لطموحات المرأة، إلا أنها لم تعرف الانكسار. ظلت شامخةً، تمضي في طريقها بإرادةٍ فولاذية، مؤمنةً بأن التغيير الحقيقي ينبثق من الفرد، وأن الأثر الخالد يُشيد بلبنات الصبر والاستمرارية.

وعلى عتبة دارها، يتجلى مشهدٌ يختزل الحكاية بأسرها: جملٌ شامخٌ يرمز لأصالة الامتداد التاريخي، يقف جنبًا إلى جنب مع مركبةٍ حديثةٍ ترمز لعجلة التقدم والتحول. وبينهما تقف هي، كجسرٍ حيّ يربط عراقة الماضي بتطور الحاضر، ويمهد الطريق لمستقبلٍ واعد.

إنها ليست مجرد امرأة عبرت في صحائف الأيام... بل هي ملحمة أرض، وصوت هوية، ودليلٌ ساطع على أن من تضرب جذوره عميقًا في الأرض، قادرٌ على أن يطاول عنان السماء دون أن تذروه رياح النسيان.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp