سلسلة كفى للعنف.. حين تسكب الجريمة زيتا على نار الفوضى
كتب: كايد أبو لطيّف | 18.2.2026
في ظل تصاعد جرائم القتل والعنف في المجتمع العربي، يتكرر السؤال المقلق. من أين تحصل عصابات الجريمة المنظمة على الأسلحة؟ ولماذا تفشل السلطات في كبح انتشار السلاح رغم الوعود المستمرة بالحفاظ على الأمن؟ يسلط تقرير مراقب الدولة الضوء على ثغرة خطيرة في منح تراخيص الأسلحة، والتي قد تكون أحد المصادر التي تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تسريب السلاح إلى جهات غير مؤهلة، بل وربما إلى عالم الجريمة نفسه.
يكشف التقرير عن تناقض صارخ بين الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، وبين التراجع المستمر في فحص الأهلية النفسية لطالبي رخص السلاح. فمنذ أحداث 7 أكتوبر والحرب، ارتفعت معدلات الضغوط النفسية بشكل غير مسبوق، إلا أن نسبة التصريحات الصحية التي أحيلت من وزارة الأمن القومي إلى وزارة الصحة للتدقيق في السلامة النفسية لطالبي رخص السلاح تراجعت من 10% عام 2020 إلى 3% فقط في 2023-2024.
هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر. كيف يتم تسليح أفراد دون رقابة صارمة على أهليتهم النفسية؟ وهل يتم منح التراخيص بدافع سياسي وأمني دون مراعاة التبعات المجتمعية؟ لم يعد التهريب عبر الحدود هو المصدر الوحيد مشهد انتشار الأسلحة في المجتمع العربي، السوق السوداء حيث يتم تهريب الأسلحة عبر الحدود، في عمليات معقدة تشمل وسطاء وشبكات إجرامية محلية ودولية.
النتيجة المباشرة لهذا الانفلات الأمني هي ارتفاع معدل جرائم القتل في المجتمع العربي، دون نجاح واضح في الحد من الظاهرة. على الرغم من إعلان الحكومة عن خطط لمكافحة الجريمة، إلا أن الإحصائيات الرسمية تكشف أن نسبة حلّ قضايا القتل في المجتمع العربي أقل بكثير مقارنة بالمجتمع اليهودي، مما يعكس إهمالًا أمنيًا غير مبرر.
في لقاء مع والدة أحد ضحايا العنف المسلح، تحدثت بصوت مخنوق عن مأساة فقدان ابنها البالغ من العمر 19 عامًا في إطلاق نار عشوائي خلال شجار. تقول "ابني لم يكن طرفًا في أي خلاف، كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. من السهل جدًا امتلاك سلاح اليوم، أي شخص يستطيع شراء مسدس أو بندقية وكأنه يشتري هاتفًا محمولًا. لا نشعر بالأمان حتى في منازلنا". الأسئلة هي ذاتها لماذا تفشل الشرطة في تجفيف منابع السلاح؟
العديد من المحللين يرون أن التساهل في قضية السلاح في المجتمع العربي ليس مجرد تقصير، بل قد يكون جزءًا من سياسة موجهة لترك المجتمع غارقًا في العنف الداخلي، مما يبعده عن قضايا سياسية أكبر مثل الحقوق المدنية والمساواة. في المقابل، الحكومة تنفي هذه الاتهامات وتؤكد أنها تعمل على تعزيز الأمن، لكن الواقع على الأرض يكشف صورة مختلفة تمامًا. ولا يمكن إنكار أن هناك تواطؤًا غير معلن بين عدة أطراف. كم مرة تم تمرير جريمة قتل بصمت؟ لماذا لم يتحول القاتل إلى منبوذ؟ من هم المستفيدون من تجارة السلاح داخل المجتمع العربي؟ هل باتت العصابات قوة اقتصادية توفر وظائف وحماية؟ أين الصوت السياسي القادر على تحويل الغضب إلى خطوات فعلية للضغط على الدولة، بدلاً من الاكتفاء بالإدانات الموسمية؟ إذا كانت الدولة تتقاعس عمدًا أو عن ضعف، المجتمع ليس بلا خيارات. إعادة الكرة إلى ملعبنا لا تعني جلد الذات، بل تحمل زمام المبادرة من خلال.
إعادة تعريف دور العائلة والمسجد والمدرسة في نبذ ثقافة السلاح كرمز للقوة، وعدم التساهل مع مظاهر التسلح في الأعراس والمناسبات. فضح اقتصاد الجريمة ومقاطعة كل من يتربح من الفوضى، سواء كانوا تجار سلاح أو سياسيين يوظفون العنف لصالحهم. إذا لم يكن هناك تحرك داخلي، سنظل ندور في نفس الدائرة، والمجتمع يدفع الثمن. فهل سنبقى مجرد متفرجين؟ في ظل هذه الفوضى، يبقى المجتمع العربي هو الضحية الأولى والأخيرة. الأسلحة التي تنتشر بلا رقابة تقتل الأبرياء كل يوم، والعصابات تزداد قوة، بينما السلطات تكتفي بالتصريحات الفارغة، وستبقى المدن العربية ميادين حرب مفتوحة، يدفع ثمنها الأبرياء، واحدًا تلو الآخر.