سلسلة كفى للعنف.. مجتمع ينتحر جماعيا ويجر ضحاياه إلى القبر؟
كتب: كايد ابو لطيّف | 13.2.2026
في صحراء النقب وأزقة بئر السبع، وعلى امتداد المجتمعات العربية، يسقط يوميًا قتلى برصاصٍ لا يعرف الرحمة. البعض يُقتل في وضح النهار، والبعض يُغتال في جنح الليل، لكن الجريمة واحدة، جريمة نكران الإنسانية. جريمة نسيان أن المروءة ألا تفعل في السرِّ شيئًا تستحي منه في العلانية، وأن الشرف لا يُبنى على القتل، بل على صون الحياة. لكن كيف وصلنا إلى هُنا؟ كيف تحوّل مفهوم الرجولة من حماية المستضعفين إلى استعراض القوة بالسلاح؟ كيف أصبحت الكرامة مبررًا لتصفية الحسابات؟ كيف أصبح القتل ردَّ فعلٍ طبيعيًا على خلاف حتى لو كان سخيفًا؟
في الماضي، كان الفارس يفتدي الضعيف، وكان الرجل يُقاس بقدرته على إسداء المعروف وكفّ الأذى. اليوم يُقاس الرجل بعدد الرصاصات التي أطلقها وبعدد الجثث التي تركها خلفه وبعدد المرات التي نشر فيها الرعب والدمار. في ظل هذا التشوّه الأخلاقي، من يمكنه الادعاء بأننا لا نعيش أزمة قيم؟ قد يقول البعض إن العنف هو رد فعل طبيعي على القهر والتهميش. قد يحتج آخرون بأن غياب العدالة يُبرر أخذ الحق باليد. لكن منذ متى كان الظلم يُواجه بظلم مضاعف؟ ومنذ متى كان الردّ على الجريمة جريمة أبشع منها؟ الشرف مثل الزهرة، إن كُسر لا يُصلح بسهولة. واليوم شرف مجتمع بأكمله على المحك، ليس لأن هناك من يقتل بل لأن هناك من يبرّر ومن يسكت ومن يخاف ومن يُطبّع العنف وكأنه قدر محتوم.
إذا كان العنف مرضًا، فإن بئر السبع بؤرة وبائية. جرائم قتل على خلفيات تافهة، تصفيات انتقام أعمى وغيابٌ مخيف للندم. لا يكاد يمر أسبوع دون سقوط ضحية جديدة. في لحظة يُضغط الزناد، في لحظةٍ أخرى تنطفئ حياة، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته. كأن شيئًا لم يكن. أي مجتمع هذا الذي يسمح بحدوث ذلك؟ أي مجتمع هذا الذي يرى الموت مجانيًا، ثم يواصل حياته كأن شيئًا لم يحدث؟ في مجتمع تتهشّم فيه القيم، يُصبح البطل الحقيقي هو الذي يحمل الآخرين حين يسقطون، لا من يدفعهم إلى السقوط. في النقب كما في مجتمعات أخرى، لم يعد الدم خطًا أحمر. الخلافات تحسم بالسلاح، والكلمة الأخيرة للرصاص، وليس للعقل أو الحكمة. السلاح ليس أداة قتل بل أصبح لغة، وسيلة تفاهم، وحتى رمزًا للرجولة المشوّهة. المأساة ليست فقط في عدد القتلى، بل في التحولات العميقة التي أصابت العقلية الاجتماعية. الأب يُبرّر، الابن يتربى على أن السلاح "فرض"، والأم تبكي في العتمة لكنها تعلم أن البكاء لن يوقف القتل القادم. ما يحدث اليوم هو مسار تدمير ذاتي، تتوارثه الأجيال بلا وعي.
حين يرى الطفل أن والده يقتل "لأنه كان يجب عليه أن يرد"، ما الرسالة التي يتعلمها؟ حين يفتح المراهق هاتفه ويرى فيديوهات يتباهى فيها "الرجال" بأسلحتهم، أي مثال يُقدم له؟ لا أحد يولد قاتلًا، لكن المجتمع قد يصنع منه واحدًا، حين يغيب العقل، وحين يصبح القتل ردَّ فعلٍ غريزيًا لا يُفكر فيه أحد. أن تمنع نفسك من قتل إنسان، رغم قدرتك على ذلك، هو أقوى تجلٍّ للشرف الحقيقي. أن تتجاوز الإساءة دون أن تحمل سلاحك، هو أسمى أشكال الرجولة. الشهامة ليست أن تسفك دم إنسان لأنه أساء إليك، بل أن تُمسك نفسك عن قتله. فهل لدينا الشجاعة لنُعيد تعريف الرجولة؟
أن تمتلك القوة لا يعني أن تدمّر، بل أن تحمي. ليست الشجاعة في حمل السلاح، بل في إمتلاك الإرادة لعدم استخدامه أبدًا. لكن هذه المعاني تضيع في زحام الدماء. الكرم والنجدة هما جناحا الفارس النبيل، كم من فرساننا سقطوا، وكم منهم ما زالوا يقاومون هذا الانحدار؟ من السهل أن نقول "الدولة مسؤولة"، "القانون غائب"، "الشرطة لا تفعل شيئًا"، لكن الحقيقة الأهم أن المجتمع مسؤول أيضًا. الشرف لا يُمنح، بل يُكتسب بالأفعال. والأفعال تبدأ بالقرار. هل نريد أن نكون مجتمعًا يعيش في ظل الخوف، أم مجتمعًا يُعيد إحياء قيمه الحقيقية؟ إذا أردنا النجاة، فعلينا أن نتوقف عن لعب دور الضحية، وأن نواجه الواقع كما هو. لن يتوقف العنف بقرار سياسي فقط، بل حين يكفّ المجتمع عن تبريره، حين يُحاسب القاتل اجتماعيًا، حين يصبح السلاح عارًا لا فخرًا. الأمر ليس مثالية فارغة، بل ضرورة. لأن من لا يتعلم من دمائه، سيبقى ينزف حتى يفقد آخر نقطة حياة. "كن مثل النهر، قويًا في اتجاهك، لكن معطاءً لكل من يحتاج. القوة الحقيقية ليست في أن تُخيف الآخرين، بل منحهم الأمان. هل نحن مستعدون لهذه المواجهة؟ أم أننا سنواصل الانزلاق في هاوية العنف حتى ندفن آخر أبنائنا ونقول "كان بالإمكان أفضل مما كان"؟
▪️جنازة المرحوم مختار عطا أبو مديغم في رهط | تصوير: الصحفي عطوة أبو خرمة