حتى نلتقي - بئس الحرب الأهلية
بقلم: يوسف أبو جعفر (أبوالطيّب) | 23.1.2026
في الحرب لا يكفي أن تكون شجاعًا، فكم من الشجعان قضوا دون أن يصلوا إلى النصر. في الحرب القوانين تختلف، وكل الحروب، سواء الفعلية والكلامية، والمحلية والقطرية، لها قوانينها ونُظمها، ولها أدبياتها أيضًا، ولها مواثيق وعهود. هناك من يلتزم بها، وهناك من يخونها دومًا، ولا يذهبنَّ أحدكم إلى أن «الحرب خدعة» تكفي، بل إن التصريح أحيانًا إعلان حرب.
الحروب الداخلية أعتى الحروب، ولذلك العسكري منها يُطلق عليه حروبًا أهلية. فيها ينقسم الناس من نفس البيت والشارع إلى محاور تقاتل بعضها بعضًا في النهار، حتى إذا جنّ الليل عادوا من ثكناتهم إلى بيوتهم وإلى أمهاتهم، يطلبون الطعام ويأكلون وينامون، حتى إذا كان النهار حمل كلٌّ سلاحه وانطلق ليقاتل أخاه وجاره وربما أباه. هذا النوع من الحروب شهدناه أمس في الشعب الفلسطيني بين الفصائل في لبنان والأردن وسوريا؛ قاتلنا بعضنا، وقاتلنا إلى جانب طرف دون الآخر، وفي نهاية المطاف كلما أنهينا حربًا زدنا تشرذمًا، وتفرّقنا في بقاع الأرض، واستولى علينا كل العالم، وما عاد قرارنا لنا، وجلبنا العداوة لأنفسنا، وبقينا يتامى على موائد لئام.
اليوم أقول: الحمد لله أن السلاح الذي بين أيدينا (المهرّب وغير الرسمي) لا يدخل الساحة السياسية، لأن ذلك سيكون مُبشِّر سوء. نعم، لم نتعلم من أخطاء شعبنا، وظننا أن الخلافات بيننا ستشعر بوحي الديمقراطية المزيفة، سوى أننا وقفنا واهمين.
الحرب بين الأحزاب والقوائم اليوم تكاد تكون تحوّلت إلى عقدية مزيفة يؤمن بها العامة ويقدّسها الساسة، فليس لها قوانين أو ثوابت. وكما قلت، لكل حرب قوانين، أول القوانين وأشهرها الهدنة. ماذا يجري لنا؟ حرب سجال لا راحة فيها، ولا هدنة، ما هي إلا معركة ستُنهك الأطراف ولا فائز فيها؛ فهي أهلية لا تغيّر العقول بتاتًا، وغالبًا تحافظ الأطراف على قواها السابقة ولكن تكون منهكة، وترضى بالحلول المفروضة من الأطراف الخارجية. أليس هذا ما جاء بمنظمة التحرير إلى طاولة المفاوضات وقد أُنهكت ولم يعد لها وزن سياسي أو عسكري، فرضيت أن تصبح تحت المحتل حارسًا وفيًا أمينًا مطيعًا؟ وحتى ولو لم يعجب أحدهم هذا التشبيه، ألا نقترب من خلاف لا تلوح في الأفق بوادر حلول؟
نحن في حاجة لأن نعترف أن صراعنا السياسي معقّد، ولكنه واضح المعالم، ولم نتفق يومًا في الداخل الفلسطيني على دفة إدارة، بل كنا نحاول لعب الديمقراطية المزيفة في لجنة المتابعة وفي كثير من الأطر التي أُفشلت على أيدينا، ولم نتعلم حتى الحديث بيننا برويّة. لقد بنينا هوّة ولم نبنِ جسرًا.
ما المطلوب الآن؟ مناقشة داخلية واضحة المعالم، وليس حربًا أهلية. ولا يعتقد أي قائد أنه ذكي وسوف يدير فكرًا. ما يُدار الآن هو حرب أهلية فكرية سياسية، سلاحها الكلمات المسجّلة، ويغذّيها قادة امتهنوا الجلوس على الكراسي عشرات الأعوام دون حسيب أو رقيب. وليس الجديد بالأفضل، وما يقوله القادة من كلمات علنية وسرّية يصبح نهجًا واضح المعالم، يملأ المكان برائحة الحقد والكراهية، رائحة تزكم الأنوف، حتى أصبح كل صاحب صفحة فيسبوك عالمًا فذًّا ينتقد ويزيد من الكراهية. في الحروب التقليدية السلاح يصيب ويخطئ، أما هنا فسلاح الكلمات يبقى يؤلم كل ساعة ودقيقة، ربما دون موت، ولكنه سوف يأخذنا نحو الهاوية.
لن أنادي العقلاء، فهم الذين يُسعِّرون الحرب، ولكني أبعثها رسالة لجميع الأطراف: تذكّروا أنكم الخاسر الوحيد، ولو كنتم الرابحين في جولات المعارك.
بئس القيادة التي تصرخ ليل نهار أن همّها هذا الشعب، وهي تقسّمه فئات ومجموعات. بئس القيادة التي لا تعي معنى الوحدة، وقد مزّق القادة الحمقى هذا الشعب إلى أقطار العالم، لاجئًا طريدًا مشرّدًا، ولا تدرك عمق المسؤولية. بئس القيادة لمن يتنطّعون في مواقعهم كأنهم أنبياء؛ لو كنتم في لبنان لكان لكل واحد منكم ميليشيا، ولقتل أخاه تحت راية أنه يبحث عن الطريق إلى القدس.
وحتى نلتقي، أفكاري معروفة وأقوالي مكتوبة، ولكنها كلمة كان لا بدّ من قولها. هذا الشعب قد يكون متعلّمًا، ولكنه آخر الشعوب إدراكًا لحجم المأساة، وما زال البعض يغنّي. الغضب الساطع آتٍ. ليس لديكم جميعًا الجرأة للجلوس حول طاولة واحدة، وطنيّكم وإسلاميّكم على حدّ سواء. اصحوا من غفوتكم الطويلة قبل أن تحرقوا الأخضر واليابس، ربما حينها نصبح شعبًا وليس مجرد مجموعات.