سلسة كفى للعنف | هل العنف في المجتمع العربي قدر محتوم؟
بقلم: كايد أبو لطيف | 9.1.2026
في ظل تصاعد موجة العنف والجريمة في المجتمع العربي، يتردد على الألسنة سؤال مرير. هل حل هذه الظاهرة مستحيل؟ تتكرر الروايات عن استحكام الجريمة، وتُطرح تبريرات مألوفة. نقص الموارد، وتعقيدات مجتمعية، وفساد مؤسسي، وحتى "الخصوصية الثقافية". لكن حين ننظر إلى تجارب عالمية، تتهاوى هذه المقولات كأوراق الخريف، ويبرز واقع آخر: العنف ليس قدراً، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها.
حين ننظر إلى تقارير الأمم المتحدة حول تجارب مشابهة عالميًا، نجد إجابات صادمة. العنف ليس ظاهرة طبيعية، ولا قدراً لا يُرد، بل هو نتيجة ظروف سياسية، اجتماعية، واقتصادية يمكن تفكيكها إن توفرت الإرادة والقرار.
كشف تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في 26 تموز/يوليو 2022 عن تصاعد العنف والجريمة في المناطق الريفية في كولومبيا، رغم المحاولات العسكرية للقضاء عليها. المفارقة أن الدولة فشلت في احتواء التهديدات، لأن الحلول الأمنية وحدها أثبتت عدم جدواها في ظل غياب التنمية والتدخلات الاجتماعية العميقة.
بعد توقيع اتفاقات السلام مع القوات المسلحة الكولومبية عام 2016، انخفضت معدلات جرائم القتل من 12,665 حالة في 2012 إلى 1,238 فقط في 2016، وفقًا لمعهد دراسات التنمية والسلام. لكن غياب الدعم الاجتماعي والاقتصادي أعاد الجريمة إلى الواجهة، مع انخراط الجماعات المسلحة في أنشطة غير مشروعة كالاتجار بالمخدرات والتعدين غير القانوني. هذا الواقع يعكس فشل النهج القائم على القوة وحدها، وهو ما يمكن مقارنته بما يحدث في صحراء النقب والمجتمع العربي بشكل عام، حيث لا تزال الحلول الأمنية عاجزة عن تفكيك شبكة العنف.
في صحراء النقب، كما في الأحياء العربية داخل المدن، تعيش مجتمعات مهمشة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وتجد نفسها رهينة عصابات الجريمة المنظمة التي تفرض قوانينها بالقوة، في ظل غياب سلطة القانون وضعف الثقة بالشرطة. أشار التقرير الأممي إلى أن الجماعات المسلحة والمنظمات الإجرامية في كولومبيا "تفرض القواعد والقيود على حركة السكان، وتسيطر على حياتهم اليومية"، وهو مشهد لا يختلف كثيرًا عن واقع البلدات العربية حيث يتزايد نفوذ عصابات السلاح، حتى بات السكان يخضعون لمنطق القوة بدلاً من سلطة القانون.
يؤكد التقرير أن الرد العسكري على العنف لم يؤدِ إلى تراجع الجريمة بل زادها تعقيدًا، حيث أن غياب مؤسسات الدولة المدنية، وضعف التعليم، وانعدام فرص العمل، أدى إلى استقطاب الشباب نحو العصابات المسلحة. هذه المعطيات تعكس بوضوح ما يحدث في المجتمع العربي، حيث الفقر والتهميش يخلقان بيئة خصبة لازدهار الجريمة.
في كولومبيا، أدى تجنيد الأطفال والمراهقين من قبل الجماعات المسلحة إلى تفاقم الأزمة. أما في النقب، فالشباب الذين لا يجدون أفقًا تعليمياً أو فرص عمل، يسقطون في دوامة العنف التي تغذيها شبكات الاقتصاد غير الرسمي.
رغم سوداوية المشهد، فإن تجارب أخرى من العالم تثبت أن العنف يمكن دحره، لكن ليس بالحلول الأمنية فقط. نجاح بعض المدن الكولومبية في خفض الجريمة كان نتيجة لمقاربات اجتماعية، اقتصادية، وتعليمية متكاملة.
في ميديلين، وهي واحدة من أخطر المدن في التسعينيات، ساعدت استثمارات الحكومة في التعليم والبنية التحتية والمبادرات المجتمعية في كسر حلقة العنف، بعدما تبين أن القمع الأمني وحده لم يكن كافياً. وفي لوس أنجلوس، تم تقويض عنف العصابات عبر برامج إعادة تأهيل للشباب، بدل الاكتفاء بالملاحقة الأمنية. وفي إيرلندا الشمالية، أنهت الدولة عقودًا من العنف الطائفي من خلال برامج مصالحة وطنية واستعادة الثقة بين المجتمعات المتناحرة.
إلى متى سيبقى التعامل مع العنف مقتصرًا على الحلول الأمنية التي أثبتت محدوديتها؟ متى سيتم الاعتراف بأن تفكيك شبكات الجريمة يبدأ من التعليم، والاقتصاد، وتمكين المجتمع المدني، وخلق فرص عمل للشباب؟