حتى نلتقي- قاتل
بقلم: يوسف أبو جعفر (أبوالطيّب) | 9.1.2026
ما الذي يدور في عقل القاتل؟ ماذا في خلده؟ بماذا يُحدِّثه ضميره؟ هل ينام قرير العين، هادئ البال؟ هل له أولاد وبنات لا يخاف عليهم؟ كيف يعيش يومه؟
هل هو إنسان عادي امتهن القتل والموت؟ هل له أبوان؟ لا يُعقل أن يكون القاتل شخصًا واحدًا بهذا الكمّ الكبير من جرائم القتل؛ فنحن من أعلى الشعوب في العالم قتلًا، طبعًا باعتبار الأقلية شعبًا.
لست على علمٍ ودراية بعالم الإجرام، ولم تكن يومًا هوايتي لأتحفكم بتحليل أو إجابات، إنما أستطيع فقط أن أطرح أسئلة وتحليلات غير مؤكَّدة علميًا أو اجتماعيًا. فأنا أعترف على الملأ بأني لا أعرف قاتلًا، بل ولا أريد أن أتعرّف على أحد.
من الواضح أن القصد هنا ليس القتل الذي يكون ردة فعل لحظية أو خطأ ما، بل نتكلم عن التخطيط للجريمة أو الثأر لقتلٍ سابق، في الغالب من أفراد ليسوا طرفًا: هم القتلة الأُجَراء أو المدفوعون لأسباب عدة، وأفراد ليسوا طرفًا: هم المقتولون، أو لنسمّهم الضحايا حتى لا نضيع بين مفردات العربية.
لقد شاهدنا القاتل يختبئ، ويُخفي الجريمة، ويحاول ألّا يُبقي آثارًا تورِّطه. الآن يأتي معه مصوّر للأحداث، ربما كي يعود بغنيمة أكبر وليُدبّ الرعب في قلوب الناس أكثر، وربما أيضًا لأنه يعلم أنه لن يُحاسَب ولن يُعاقَب؛ ولذلك لا خوف من البشر وشرطتهم أو مخابراتهم. وربما هو أجيرهم بشكل أو آخر، بمعنى مباشر أو غير مباشر.
ماذا يفكّر القاتل؟ في المال؟ السطوة؟ الجبروت؟ أو قُل: بماذا لا يفكّر؟ في الخوف؟ من المؤكد أن الجميع يشعر بالخوف، أما القاتل فيبدو لي أنه من نوع آخر؛ دون إحساس، دون قلب، دون عقل، تحوّل إلى آلة من لحم ودم، تأمل وتشرب وتقتل. من المؤكد أنها لا تفكّر، فالضمير والعقل هربا منذ زمن.
وحتى لا نشطح بعيدًا، يجب أن نتذكّر قضية فلسفية يعيشها العالم اليوم، وهي الإجابة عن سؤال: هل الشر مطبوع في البشر؟ كم حجم هذا الشر؟ وكم يستطيع البشر أن يكونوا أشرارًا؟ لأن الإجابة تعطينا حلولًا للشق الأول الذي نعرف فيه ماذا يفكّر القاتل.
أكثر ما يُحزنني أننا ندعو للعودة إلى الماضي؛ فمنّا من يريد العودة إلى الدين، ومنّا من يريد القيم، ومنّا من يريد العائلة والقبيلة، والنُّظم السابقة، والأعراف والتقاليد، حتى نستطيع السيطرة على الظلم والقتل والقتلة الذين يتحرّكون ليل نهار.
أعتقد جازمًا أن أنواع القتلة كثيرة، ولكن ما نشاهده اليوم تعدّى حدود المنطق العادي، ويبدو أنه نظام قد أصبح يوجّه نفسه أكثر فأكثر. فالقاتل الأجير هو الأكثر شيوعًا والأخطر، وذلك يعود إلى موت المشاعر والقيم والأخلاق، وتصبح هذه المهنة المسيطرة على الشخص، فيفقد الأمل في العيش، فيصبح كالثور المصاب في الحلبة، يقاتل بضراوة أكثر.
وحتى نلتقي، صار القتل قريبًا من الجميع؛ فلم يعد للإجرام قانون إلا قانونه، هو الذي يرى في نفسه القوة الأولى والأخيرة. وأمام هذه القوة، شيء وحيد يغيّر المسار، وهو الوقوف أمامها بشجاعة، وفي ذلك خطورة بالغة، لأن فيه ضحايا ستسقط لا ذنب لها، في حرب، ولكل حرب..