الموت قاعدة والحياة استثناء؟ مجتمع يذبح أبناءه ويبرر الجريمة
بقلم: كايد أبو لطيف | 25 أغسطس 2025
من النقب إلى الجليل، مرورًا بالساحل والمثلث، وصولًا إلى الجولان، صرنا أرقام في قائمة الموت اليومية. يُقتل الرجال كما تُقتل النساء، يُسحل الشباب في الشوارع، ويُعدم الأطفال بدم بارد، والجميع يتفرج. القاتل يمضي حرًا، والمقتول يُضاف إلى إحصائية باردة لا تهزّ ضميرًا ولا تغيّر واقعًا. إننا نعيش في مجتمع لم يعد يهاب القتل، بل يمارسه وكأنه طقس يومي ضروري لاستمرار الحياة.
أصبح الدم لغة التعامل الوحيدة. يُقتل الرجال في صفقات تصفية الحسابات، وتُباد العائلات بوحشية تفوق ما تفعله أعتى العصابات الإجرامية. يُسحل الأب أمام أطفاله، وتُحرق السيارة بمن فيها، وتُطلق الرصاصات في وضح النهار، ولا أحد يتحرك. لا أحد يعترض. لا أحد يعترف بأننا بتنا مجتمعًا مهووسًا بالدم، يخاف من القاتل أكثر مما يخاف من الله.
لم تعد النساء وحدهن من يدفعن الثمن، بل أصبح الجميع أهدافًا مباحة في لعبة الموت المفتوحة. الرجل الذي رفض دفع "الخاوة"، الشاب الذي لم ينضم للعصابة المناسبة، الأب الذي حاول حماية ابنه، المرأة التي رفعت صوتها، الفتاة التي تجرأت على قول "لا". كل هؤلاء قُتلوا، وتُركت جثثهم لتكون عبرة لمن يعتبر. إنها ليست جرائم فردية، إنها إبادة ممنهجة لمجتمع بأسره.
لم يعد هناك مكان آمن، لم تعد البيوت محصنة، الجريمة لم تعد ظاهرة، بل أصبحت نظام حكم بديل، يفرض قوانينه بالرصاص، ويحكم بالموت الفوري على كل من يتجرأ على تحديه.
كنا نعتقد أن الجريمة تحتاج إلى مبرر، إلى سبب مقنع يجعل القاتل يطلق الرصاص، لكننا كنا سذّجًا. اليوم، القتل يُرتكب بلا مبررات، بلا أعذار، بلا حتى محاولة لإخفائه. القاتل لا يهرب، بل يتفاخر بجريمته، والمجتمع يصمت أو يبرر. "ربما كان يستحق الموت"، "ربما أغضب الشخص الخطأ"، "ربما تجاوز حدوده". كلمات تُقال وكأنها مسوغات مشروعة للذبح العلني.
نحن في زمنٍ أصبح فيه القاتل بطلًا، والمقتول ذكرى تُنسى بعد بضعة أيام. يتم تحويل الجريمة إلى "حادث عرضي"، والمجرم إلى "ضحية ظروف"، وكأننا لسنا مسؤولين عن هذه الفوضى التي نعيشها، وكأن القتل أصبح واقعًا حتميًا لا مفر منه.
ما الذي تبقى لنا؟ لم يعد أحد في مأمن، ولم يعد أحد قادرًا على إنكار الحقيقة. نحن في مجتمع يتفكك تحت وطأة العنف، ولا يملك أحد الشجاعة الكافية ليقول "كفى". هل سنبقى نتفرج حتى يأتي دورنا؟ أم أننا سندرك أخيرًا أن الدماء التي تسيل كل يوم ليست أخبار في نشرة المساء، بل إعلان يومي عن انهيارنا الأخلاقي والإنساني؟ إذا لم نتحرك الآن، إذا لم نقلب الطاولة، فسنكون نحن الضحية التالية، دون أدنى شك. القاتل لا يميز، والرصاصة لا تسأل عن الاسم. هل سننتظر حتى يأتي دورنا؟ أم أننا أخيرًا سنكسر دائرة الصمت قبل أن نُمحى تمامًا؟