بنيامين نتنياهو ورؤيا إسرائيل الكبرى

بقلم: جواد بولس | 15 أغسطس 2025

أكّد بنيامين نتنياهو خلال مقابلة صحافي أجراها مع فضائية i 24 الإخبارية يوم الثلاثاء المنصرم على «أنه مرتبط جدا برؤية «إسرائيل الكبرى، التي تشمل فلسطين وأجزاء من الأردن وسوريا ولبنان ومصر».

لقد كُتب في الماضي، أن بنيامين نتنياهو الحقيقي، يؤمن «بحق» اليهود بإقامة إسرائيلهم الكبرى، ويعمل من أجل تحقيق ذلك؛ فتصريحه الحالي، لم يأت استرضاء تكتيكيا لحلفائه في الحكومة من الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، ولا استعراضا استفزازيا لبعض الدول العربية والإسلامية والأوروبية، التي اعترضت في الآونة الأخيرة على سياسته الحربية.

تعمّد نتنياهو إطلاق تصريحه في هذه الأيام بالذات، ليوصل رسالة مطمئنة وواضحة لمؤيدي حكومته أولا، وليؤكد أمام «المجتمع الدولي» نوايا حكومته الجدّية ومخططها لترسيم خريطة جديدة للشرق الأوسط، تتوسطها حدود إسرائيل الكبرى. وإذا توقفنا عند احتمالات تحقيق هذه الرؤية في الأوضاع السياسية الراهنة في منطقتنا وتقاطعها مع سباقات الدول الكبرى على تثبيت امتيازاتها في إرث امبراطورية «سايكس – بيكو» المتهاوية، سنجد أنه ماض في ترسيخ احتلاله لفلسطين فعليا، وقادر على ضم أجزاء من سوريا الرهينة اليوم بيد أمريكا وإسرائيل. أمّا حلمه باحتلال أجزاء من لبنان فقد يكون مستحيلا، إلّا إذا عادت دولة «المواطفين» (مواطن/ طائفي، والتعبير من نحت الاستاذ نصري الصايغ) إلى جنونها اللبناني المهلك. وتبقى قصة المملكة الأردنية الهاشمية لغز نتنياهو المفضوح؛ فهو يتحدث عن عقيدة قديمة تؤمن بحسبها قطاعات واسعة داخل المجتمع اليهودي، بأن الدولة الفلسطينية المطالب بها موجودة عمليا في الأردن، وبأن لإسرائيل «حق تاريخي توراتي» على أجزاء من ضفة النهر الشرقية، تماما كما كتب وغنى جيل الأب الروحي لنتنياهو زئيف جابوتنسكي: «توجد ضفتين لنهر الأردن، هذه لنا والثانية لنا أيضا»، وهو النشيد الذي تربت عليه وما زالت تغنيه أجيال بعد أجيال في حركات اليمين الصهيوني.

لقد أغضب تصريح نتنياهو جهات دولية عديدة؛ لكنني أعتقد أن الغضب الأردني الرسمي هو الأصدق، لأنهم في الأردن يَعون خطورة التصريح في الظروف السياسية المتقلبة. لقد اعتبر الأردن وبحق أن تصريحات نتنياهو تعتبر «تصعيدا استفزازيا خطيرا، وتهديدا لسيادة الدول، ومخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، ودعت الخارجية الأردنية إلى ضرورة «تحرّك المجتمع الدولي فوريا لوقف جميع الإجراءات والتصريحات التحريضية الإسرائيلية والمهددة لاستقرار المنطقة والأمن والسلم الدوليين». سوف يعرف الأردن كيف يدافع عن سلامة أراضيه، وكيف يحمي الأردن/الوطن؛ وسيعرف كيف يواجه خبائث ومكائد حكومة نتنياهو، ومن يدعمها داخل إسرائيل وخارجها؛ لكن الخوف الحقيقي سيبقى على مصير فلسطين والفلسطينيين، الذين لا يواجهون إعلان نوايا وحسب، بل حربا حقيقية تستهدف، كما أعلنت حكومة نتنياهو وجيشها، احتلال الأرض الفلسطينية وتهجير من يبقى عليها من سكانها الأحياء.

لقد فقدت فلسطين كثيرا من عناصر قوتها، وأهمها فقدانها لاستقلالية قرارها، صائبا كان أم خاطئا، فبعد أن كانت قضيتها قضية تحرير شعب يرزح تحت الاحتلال، أصبحت مرآة لصراعات «النظام الدولي» وميدانا تتقاطع فيه وعليه مصالح الدول المتنافسة. ليس صعبا أن نوجز، ولو بعجالة، أدوار الدول الشريكة في صناعة المشهد الشرق أوسطي الحالي. فسنجد أمريكا تتصدّر الأحداث ببقائها كما كانت مظلة الحماية الدائمة لاسرائيل، وداعمتها الوثيقة الأولى، سياسيا وعسكريا واقتصاديا. أمريكا تنحاز لإسرائيل بشكل ممنهج، وبثبات أعمى لم يتأثر من تعاقب إداراتها عبر العقود الماضية، ورغم أنها تعلن دعمها «لحل الدولتين» لكنها لم تدفع لإنجاز هذا الحل بشكل صادق وحقيقي ولا مرة، فدأبها كان، ولم يزل، المحافظة على «تخثير» الصراع، كي تبقى قادرة على إدارته دون نيّة لحلّه. أما حضور روسيا في النزاعات الدولية، فقد ضعف بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إلّا أنها عادت واستعادته في عهد الرئيس بوتين. تحتفظ موسكو بخطاب مؤيد للحقوق الفلسطينية، لكنها نادرا ما اتخذت خطوات حاسمة وعملية في سبيل تغيير موازين القوى على الأرض. تحافظ روسيا على علاقات وثيقة مع إسرائيل وتحرص على ألا تتزعزع هذه العلاقات، خاصة بعد تداعيات ملفي سوريا وأوكرانيا، وتورط الروس فيهما. تعلن روسيا أنها تقف إلى جانب فلسطين، لكنها في الواقع، لم تستطع منع الحرب على غزة أو إيقافها، ولا أن توقف طوفان القمع والقتل في الضفة، كما أنها لم تمنع هزيمة حليفها في لبنان – حزب الله، ولا أن تنقذ نظام ابنها المدلل بشار الأسد. أما عن دورها في المواجهات مع إيران فالتاريخ سيحكم!

وإذا انتقلنا للصين، فسنجد أن نظامها يتبنّى هو أيضا في المحافل الدولية خطابا داعما لفلسطين، إلّا أنها تلتزم في المواقف العملية والمفصلية، الحذر. لقد كانت الصين تاريخيا أكثر قربا لمنظمة التحرير، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ لكنها، بعد انخراطها العميق في بنى الاقتصاد العالمي وتعقيداته، تموقعت في خانة أبعد ممّا سبق. وبعد توطيد علاقاتها التجارية مع إسرائيل، وتحسبها من تأثير إسرائيل على النظام المالي العالمي، بدأت تتجنب أي صدام مباشر معها. فاذا راجعنا مواقف الصين في السنوات الأخيرة، سنجد أنها إلى جانب وقوف قيادتها الدائم مع القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، بدأت هذه القيادات تعتبر ملف القضية الفلسطينية ورقة ضمن أوراق سياستها الكبرى على طريق بناء النظام العالمي متعدد الأقطاب.

ويبقى ملف الدول العربية هو أغرب الملفات؛ فتاريخ علاقات هذه الدول بالقضية الفلسطينية يحتاج إلى مئات المجلدات، على أن يخصص جزء كبير منها لجمع بيانات الشجب والاستنكار، التي أطلقها زعماء تلك الدول، منفردين ومجتمعين، ضد إسرائيل؛ ويخصص ما بقي للمكشوف من ذاك التاريخ والمستور منه. أما نهاية التوثيق فستكفيها قصاصة ورق كتلك التي كتبها شهيد معركة القسطل عبد القادر الحسيني، وتركها على طاولة الأمين العام للجامعه العربية في السادس من أبريل عام 1948، وخاطب فيها حكام العرب، بعد أن خذلوه، قائلا لهم: «إني أحملكم المسؤولية بعد أن تركتم جنودي في المعركة في أوج انتصاراتهم دون عون أو سلاح». مرت العقود ولم يتغير حال العرب كثيرا. كما لن يغفر التاريخ دور الدول الأوروبية التي كانت شريكة أساسية في خلق المأساة الفلسطينية وتداعياتها الدموية. إن تغيير مواقف بعض الدول الأوروبية واعتراف بعضها بفلسطين، تطور لافت ومهم، لكنه، إذا لم يُفضِ إلى لجم التوغل الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال، فستبقى اعترافاتهم مجرد إعلانات «تجارية» معلقة على صفحة الضمير في أسواق تتاجر باللحوم البشرية.

وإلى تركيا التي تستثمر حكومتها في فلسطين المسلمة، كي ترتفع أسهمها الإسلامية في بورصة السياسة التركية الداخلية. تركيا تتدخل في المنطقة من أجل تركيا وترعى الانقسام الفلسطيني وتعززه بكل وسيلة ممكنة، تعزيزا لمصلحتها. تركيا تعادي إسرائيل بالعلن لكن علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل بقيت متينة وثابتة، قبل سقوط نظام الأسد وصارت بعد سقوطه قضية مصيرية ستضمن لها قسمة توافقية للغنائم.

بالموجز، لا يمكن الاستهتار بتصريح نتنياهو وعزمه على إقامة إسرائيل الكبرى؛ ولا يمكن التعويل على «المجتمع الدولي»، الذي لا تحسب له أمريكا حسابا، خاصة إذا بقيت الصين وروسيا توظفان الملف الفلسطيني في لعبة النفوذ مع الغرب، وتحسين موقعيهما داخل النظام العالمي الجديد، وإذا بقيت الأنظمة العربية رهائن للحماية الأمريكية ولدعم وكيلتها إسرائيل. سيقول البعض: لولا موقف الأخوة العرب والمسلمين وحلفاء فلسطين المعلنين، لكان وضع الفلسطينيين أسوأ وهذ منطق يرفض العقل قبوله، ويجيب عليه أطفال غزة صارخين: وهل بعد هذا الجحيم جحيم؟!

قد يساعد المجتمع الدولي فلسطين، ولكن، وهذا أهم من جميع ما ذكرنا، لن يُجدِي فلسطين شيئا، إذا بقيت ممزقة، وحماس تفاوض على مصير غزة، وهو مفصول عن مصير فلسطين.

^الكاتب ناشط حقوقي ومحام فلسطيني

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp