حتى نلتقي.. جبل الهموم
بقلم: يوسف ابو جعفر (أبو الطيّب) | 15 أغسطس 2025
دومًا أستشعر، أو قل أحاول فهم المقابل؛ هكذا، على الأقل، أستطيع أن أفهم وجهة النظر أو الادعاء، وهكذا نستطيع الوصول إلى أهم عنصر، وهو محاولة الإنصاف. ولذلك، يعتقد البعض أن التعامل مع القضايا يكون بالنظريات. لقد عرفت في حياتي، بين أكاديميين ومنظّرين وأصحاب فكر، ولم أجد أروع معلّمًا من الذي خاض التجربة أو ذاك الذي يعيشها. قد تبدو الأمور جميلة للمنظّر، وقد تبدو سهلة، وربما عشرات غيرها، لكن الحقيقة أن الذي يشعر بالمعضلة هو صاحبها، الذي يواجهها ويستنفد قدراته في مواجهتها.
من ظن أن القيادة مرهونة فقط بالإعلان فهو واهم، ومن ظن أن العمل بإخلاص هو صفحات التواصل فهو جاهل. قضايا الناس وهمومها ليست مجرد شعارات، وعندما نتكلم عن واقعنا هنا كأقلية وطنية في وطنها، انتُزعت منها حقوقها الأساسية، فلا نوهم أنفسنا أن صراخنا على الحائط سيجعل الحق يأتي مطيعًا يهز ذيله أمامنا.
قضايا شعبنا لا تتلخّص بإعلان مبادئ، بل بالعمل على انتزاع الحقوق، وهذا يكون على المستوى القطري وعلى المستوى المحلي. وللحقيقة، فإن التناغم بين الطرفين أحد أسباب النجاح، وذلك يعود في المقام الأول إلى "قوانين اللعبة".
أعلم أننا أمام معضلة الهوية والوطن والإخلاص والقانون، وفوق ذلك كله الإجحاف وعدم الاعتراف، بل وأحيانًا يزداد الأمر سوءًا مثلما نحن فيه الآن: قيادة وحكومة لا ترى فينا سوى عبء يجب التخلص منه. ويأتيك من ينادي، بكل وقاحة، وينصحك، وينطبق عليه المثل: «اللي إيده في النار مش زي اللي إيده في الميّة».
أجمل توصيف لحالتنا هو أننا بين صراع البقاء، وبين الشجاعة في أن تنتزع حقك من فم الأسد، وبين أن ندرك حجم المسؤولية، وبين أن نخرج لننظر للناس فقط لكي يُقال عنّا وطنيون وأصحاب ثوابت ورؤى.
من المؤكد أن الثوابت لا يقرّرها فرد، بل مجتمع كامل وموروث ديني وثقافي وحقوق أخرى؛ فلذلك، الزج بالكلمات الكبيرة ليس معناه أننا وجدنا الحلول، ولربما وجدنا سببًا للتقاعس.
لذلك، عندما نتحدث عن القيادة، فإننا نتحدث عن المخاطر والتحديات والمعضلات والهموم التي تلازمنا كمجتمع، في الغالب مشغول بالقضايا الصغيرة في هموم يومه: من زواج وطلاق وأولاد وجامعات وكتب وعنف وقتل، وهموم لا تُحصى في نظر الناس البسيطة. هذا الكم هو مصدر الجبل الجاثم فوق صدورنا جميعًا، ونجد المنظّرين هنا وهناك، وما من أحد يريد هدم الجبل بمعوله، وكلٌّ ينتظر الكادحين والآخرين أن ينهضوا من همومهم لكي يحفروا نفقًا إلى الطرف الآخر.
لا عجب أن البعض يختصر القيادة في لون ربطة العنق والحذاء، وبين من يريد أن يستعمل جرافة لهدم الجبل. لا عجب أننا نولي الأشياء الصغيرة أهمية لأننا جميعًا نفهم فيها، وأما تلك التي تغيّر العالم فلا نفقه حتى كيف تعمل. لا عجب أننا شعب مُسَيَّس ومحزّب وقبلي وعائلي، ثم نصرخ جميعًا: فليحيا الوطن.
وحتى نلتقي، همومنا متراكمة، نعرفها، فأهل مكة أدرى بشعابها. من أراد الخير لشعبه وبلدته سيجد حتمًا الطريق لذلك، وحتى في أحلك الظروف هناك أكثر من طريق.