فراغ اجتماعي مفتوح يفترسه وحش الجريمة الجائع

كتب: كايد ابو لطيّف | 11 أغسطس 2025

لا يقتصر الوباء القاتل الذي ينهش جسد المجتمع العربي على جرائم القتل فقط، بل العنف بكافة أشكاله استوطن الحي والشارع والمنزل، حتى بات صوت الرصاص أعلى من صوت الأذان وصوت الأمهات الثكالى أكثر ارتفاعًا من صوت الضحك في الأعراس. كيف لا والمجتمع الذي يشكل نحو 20% من سكان البلاد يُترك ليواجه مصيره داخل متاهة من الفوضى المسلحة، وسط انتشار السلاح غير القانوني، تصاعد العنف الأسري، استفحال السوق السوداء، وتفشي الفساد، مما يجعل الأمن الشخصي مجرد خرافة في عيون كثيرين.

أما الدولة، فبدل أن تكون جزءًا من الحل، تحولت إلى متفرجٍ باردٍ، يراقب بأعصاب هادئة مشهد الدماء المتناثرة والجنازات اليومية، وكأن القتلى ليسوا مواطنين يستحقون الحماية، بل أرقامًا في إحصائيات لن تُقرأ إلا بعد أن تتجاوز حدها الأقصى. وبينما تعجز الشرطة عن توفير استجابة أمنية جدية، يجد المجتمع العربي نفسه داخل حلقة مفرغة. تزايد الجريمة يدفع المواطنين إلى حمل السلاح لحماية أنفسهم، مما يفاقم العنف، ليبرر مزيدًا من الانفلات، وهكذا تستمر الدوامة القاتلة دون كابح.

يحلو للخبراء والمحللين أن يتحدثوا عن "موجة عنف"، وكأنها زائر جديد هبط علينا دون سابق إنذار، متناسين أن هذا النزيف بدأ قبل أكثر من 15 عامًا. نعم، التصعيد الأخير قد جذب انتباه وسائل الإعلام بشكل أوسع، لكن من عاش هذه المأساة يومًا بعد يوم، لا يحتاج إلى محللين ليخبروه أن العنف لم يتوقف أبدًا، بل بقي يتغذى على الفوضى، الفقر، غياب الردع، والإهمال المستمر.

ورغم أن الجميع يطالب اليوم بـ"حل"، إلا أن الحلول المطروحة تبقى متواضعة وهامشية أمام عمق الأزمة. كيف يمكن إطفاء النار بوعود زائفة؟ كيف يمكن وقف العنف دون تفكيك أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ كيف يمكن فرض النظام في بلد يسمح بانتشار عصابات منظمة تتفوق في قوتها على أجهزة الأمن؟

ما يحدث اليوم هو زلزال اجتماعي يهز المجتمع العربي من أساسه. هذه بيئةٌ تحاول التوفيق بين تقاليد قديمة وواقع دولة حديثة، والنتيجة؟ تصدعات في بنية العائلة والحي، انهيار منظومة الزعامة التقليدية، وظهور فراغ اجتماعي تتسلل إليه الجريمة كوحش جائع. إنها عملية تحديث عرجاء، تترك المجتمع بلا بوصلة، حيث تنهار القيم القديمة دون أن تحل محلها قيم جديدة راسخة.

لكن إذا كانت هذه رحلة تحول لا مفر منها، فهل يجب أن تُترك لتسير دون توجيه؟ هنا يبرز الدور الحاسم للمجتمع نفسه. بدل انتظار الفرج من حكومة تتقن فن التجاهل، يجب أن يكون التغيير داخليًا أولًا. لا يمكن مكافحة العنف دون تجريم حمل السلاح اجتماعيًا، دون نبذ المجرمين بدل الاحتفاء بهم، دون تجريم إطلاق النار في الأعراس، ودون كسر الصمت القاتل تجاه العنف الأسري وجرائم قتل النساء التي تمرّ تحت الرادار.

رغم أن أي تغيير جذري يجب أن يبدأ من الداخل، فإن هذا لا يعفي الدولة من مسؤوليتها الجسيمة. كيف يمكن الحديث عن مكافحة الجريمة في ظل بطالة مرتفعة، بنى تحتية متهالكة، ومدارس تعاني الإهمال المزمن؟ كيف يمكن وقف سفك الدماء دون خطة حكومية شاملة تشمل تحسين الوضع الاقتصادي، تعزيز التعليم، وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب قبل أن يجدوا أنفسهم في أحضان العصابات؟ العنف في المجتمع العربي ليس قدَرًا محتومًا، لكنه نتيجة لسياسات وتواطؤ طويل الأمد. وإذا استمر الأمر على هذا النحو، فإن السؤال لن يكون "كيف نوقف العنف؟"، بل متى يصل إلى نقطة اللاعودة؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp