حتى نلتقي.. رومنسيات

بقلم: يوسف أبو جعفر (أبو الطيّب) | 12 يوليو 2025

أردتُ الاعتذار عن الكتابة، فقلّما أجد فسحةً هذه الأيام، بيد أن القلم ينتزعني من كلّ شيء ليأخذني إلى عالم الرمزية، وأحيانًا الصراحة، لكي نضع على طاولة النقاش، دون رتوش، وأحيانًا بكل التوريات، أحداثًا أو مستجدّات.

لاحظت أننا رومانسيون عندما يتعلق الأمر بالأحلام؛ فنحن نبحث عن الوحدة، والكلام عنها جميل ويسمح بالتصفيق، وويلٌ لمن يحاول طرح شيء يُبعدنا عن الرومانسية.

الرومانسية القاتلة، تلك التي ترسم لنا كلّ الحقائق المُرّة والمؤلمة على أنها رياحين وورود ياسمين، والتي تضع أمام عيوننا الفلاتر والمرشحات كي تحلو الصورة في أعيننا، ليس لأنها حقيقة، بل لأننا نحلم بعروس بحر، ونحن نعلم أن المولودة قد تكون قردة!

لا مانع من الرومانسية إذا أعطتنا القدرة على تجاوز المحنة، ولكن أن تصبح دواءً نتعاطاه صبحًا ومساءً، وأن نغرق فيها دون فهم الحقيقة المرّة والألم اللذين سيرافقان الصحوة من الغفوة المصطنعة… فهذا ما يدعو للقلق.

ولذلك، لا نستغرب إن أدمنّا الرومانسية، ليس للشفاء أو تجاوز الأمر، بل لكي نبقى نُعيّش الهلوسة، نستنشق عبير الأحلام ونحن نعيش في مستنقع من المكاره الصحيّة.

رومانسيّتنا هذه الأيام مشغولة بقضايا كبيرة، كحلم الوحدة المحليّة في البلاد بين الأحزاب والقوائم، وحدةٍ كمطلب رومانسي أكثر منه واقعيًّا؛ لأن الأصل في الأمور هو الاختلاف بين البشر في وجهات النظر.

رومانسيّتنا تبحث عن بطولة يتنازل فيها الآخر وأبقى أنا القائد، رغم أن الأيام أنجبت لنا حقائق دلّت على من هو القائد، ومن الذي يلهث بالرومانسية فقط ليزيّن الصورة دون واقع.

رومانسيّتنا الإقليميّة تبحث عن نصر وفخر وعزّ وخلافة ودولة واحدة من الشرق حتى تطوان، والواقع يقول إن “سايكس–بيكو” يظهر في تحليل الدماء عند العرب أكثر من كريات الدم الحمراء! فلا نحن نشعر بوحدة، ولا نقترب من إمكانية الوحدة.

رومانسيّتنا إسلاميّة، ونحن غارقون بين السنّة والشيعة والتقسيمات الطائفيّة، ونبحث فقط عمّا يُفرّق أكثر مما يجمع أو يُقرّب. نريد خلافة على نهج النبوة، ولا نقبل السير وفهم أن هناك من يخطط فقط لإظهار الخلاف، أكثر ممن يرفع صوت الحقّ والعدل.

وهكذا دواليك في رومانسية الشعوب. والويل لرومانسية الأفراد، التي ما زالت تتحكم في عقول الشباب والفتيات، ولا ندرك الزيف الكبير الذي يأخذنا نحو الهاوية. فالرومانسية تهوى الفُرقة وتأبى الاجتماع. لذلك، لا عجب أننا نزداد رغبةً في سرقة الحلم، أكثر من محاولة تحقيقه.

وحتى نلتقي، لن أطيل عليكم هذا اليوم. فقط أردتُ أن أصوغ كلماتٍ قد بدت لي تأبى البقاء في عقلي، وتريد الخروج إلى النور. ربما لأني رومانسيّ، أحلم أن أحقق شيئًا أؤمن به، أن أقول ما يوافق العقل، وليس فقط ما يناسب المشاعر.

تذكّروا فقط، عندما تناقشون أحلامكم، كيف سترونها في النهاية بدون مرشح (فلتر):

هل ستكون عروس بحر أم قردة؟

أعرف أنكم تريدون عروس بحر…

لكن، كيف ستكون عروس بحر ونحن نسكن اليابسة؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp