تراجم العلماء | البروفيسور إبراهيم أبو جابر: قراءة في الطائفية السياسية والتحولات الاجتماعية
كتب: كايد ابو لطيّف | 13 أبريل 2025
يُعد الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو جابر الطوري (أبو بلال) واحدًا من أبرز الأكاديميين والباحثين في مجال العلوم السياسية. حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة غوته في فرانكفورت، ألمانيا، وشغل منصب أستاذ في قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية. كما تولى إدارة مركز الدراسات المعاصرة في أم الفحم لمدة عشرين عامًا، وقام بالتدريس في جامعة بن غوريون في النقب على مدى أربع سنوات.
أ.د. أبو جابر له دور محوري في الإشراف على العديد من رسائل الماجستير، وقدم محاضرات لعدة سنوات في كلية أم الفحم. يُعرف بكونه محررًا علميًا في مجلات أكاديمية مرموقة مثل "شؤون دولية" و"عصر الفكر"، وله مساهمات بحثية متعددة باللغات العربية والعبرية والألمانية والإنجليزية.
في دراسته "الطائفية السياسية: تجسيد للواقع الاجتماعي المأزوم في العالم العربي"، يعالج ا.د. أبو جابر قضية الطائفية السياسية ويحلل الأسباب التي أدت إلى انتشارها في العالم العربي. يستند في تحليله إلى المنهج الوصفي والتحليلي والتاريخي، ويبرز أن التنوع الديني والطائفي والعرقي في المجتمعات العربية كان عنصرًا حاسمًا في ظهور الطائفية السياسية. ويخلص إلى الاستنتاج بأن الأنظمة السياسية العربية استغلت الطائفية كأداة للصراع السياسي، ما أدى إلى تفاقم الانقسامات وتآكل النسيج الاجتماعي المتعدد في هذه المجتمعات.
كما يتناول ا.د. أبو جابر في دراسته حيال "رحلة البدو من النقب إلى منطقة المركز والمثلث"، تحولات البدو بعد حربي 1948 و1967، واستقرارهم التدريجي في مناطق مثل كفر قاسم، الطيبة، قلنسوة، اضافة الى اللد، والرملة. مشيرا إلى أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية، مثل توفر الخدمات الصحية والتعليمية، ساهمت في جذب البدو للاستقرار في تلك المناطق رغم استمرار الحنين بالعودة إلى النقب. ويوضح أن مصادرة الأراضي والجفاف المستمر في صحراء النقب في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم دفع العديد من العائلات البدوية للانتقال نحو المثلث، حيث تمكنوا من شراء الأراضي الزراعية وبناء منازلهم. ورغم تردد البدو في البداية بشأن الاستثمار في مناطق استقرارهم الجديدة، بسبب أملهم في العودة إلى الجنوب، إلا أن مرور الوقت وظروف الحياة أجبرتهم على الاندماج في المجتمعات المحلية، ليصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي لتلك المناطق.
في إطار دراساته يقدم الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو جابر تحليلًا معمقًا حول تفاعل المجتمعات العربية مع ظاهرة الطائفية السياسية، مُسلطًا الضوء على الأبعاد المتعددة لهذه الظاهرة وتأثيراتها العميقة في الواقع العربي المعاصر. يسعى أبو جابر إلى تفكيك العناصر المعقدة التي تتداخل لتشكل الظاهرة الطائفية، مستعرضًا الآليات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تسهم في بروز هذه الطائفية كقوة مؤثرة في تشكيل الهويات والانتماءات.
يتجاوز أبو جابر النظرة السطحية التي غالبًا ما تُقدّم حول الطائفية، ليتعمق في فهم كيف تعمل هذه الديناميات على صياغة واقع المجتمعات العربية. يُظهر كيف أن الطائفية السياسية لا تُعد مجرد انقسام بين المجموعات، بل هي أيضًا نتاج تاريخ طويل من التوترات السياسية والاجتماعية التي تجسدت في صراعات الهوية والانتماء. في هذا السياق، يبرز دور الهوية كعامل حاسم في تشكيل السلوكيات السياسية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات.
إحدى النقاط البارزة في تحليل أبو جابر هي التجربة البدوية التي تمثل حالة غنية للدراسة. فهو يُبرز كيف يعيش البدو حالة من الحنين إلى موطنهم الأصلي، بينما يسعون جاهدين للتكيف مع البيئات الجديدة التي يعيشون فيها. تتداخل مشاعر الحنين والرغبة في التكيف لتشكل تجربة معقدة تعكس تحديات الهوية والانتماء. هنا، يمكن اعتبار الحنين إلى الماضي كعناصر دافعة تعزز من شعور الانتماء للجذور الثقافية، بينما تعكس محاولات التأقلم مع الجديد الرغبة في البقاء والازدهار في ظروف معقدة.
إن هذه الديناميات الاجتماعية تمثل تجسيدًا للواقع العربي المعاصر، حيث تتشابك الهويات والانتماءات المختلفة مع القوى السياسية والاقتصادية التي تؤثر في حياة الأفراد. أبو جابر يدعو إلى ضرورة فهم هذه التفاعلات كجزء من دراسة شاملة للسياسة العربية المعاصرة. فالتغيرات السياسية والاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات العربية لا يمكن فصلها عن التحديات الثقافية التي تبرز نتيجة للضغوط المحلية والعالمية.